قلعة القاهرة في تعز: الواقع والرمزية

 

تتربع قلعة القاهرة على جبل صبر المطل على مدينة تعز مسهمة في تزيين الجمال الطبيعي المحيط بالمدينة. ورد ذكر القلعة في كثير من كتابات الرحالة والمؤرخين ومنهم ابن بطوطة (ت.1377م) وياقوت الحموي(ت.1229م). ترتفع قلعة القاهرة، من الناحية الجنوبية لتعز، عن المباني السكنية في المدينة حوالي 280 مترا؛ وهو ما جعلها، على مر تاريخها، موقعا عسكريا مهما يتسابق عليه الجميع أثناء الصراعات. ولهذا السبب فالقاهرة من المعالم الأثرية المهمة التي تضررت جراء الحرب الدائرة حاليا في المدينة بين الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح من جهة وقوات الحكومة الشرعية والمليشيات الأخرى من جهة ثانية. أدتْ الحرب العنيفة التي تشهدها مدينة تعز اليمنية إلى
.أضرار كبيرة طالت العديد من القطاعات المهمة والحيوية ومن أهما المواقع الأثرية

في بداية الحرب التي شهدتها تعز منذ مارس/آذار 2015،  سيطر الحوثيون على قلعة القاهرة وتمركزوا فيها بسبب موقعها الاستراتيجي، وكانوا يطلقون قذائفهم على المدنيين من ذلك الموقع المرتفع. تحولت القلعة إلى ثكنة عسكرية وأصبحت هدفا عسكريا للتحالف العربي الذي استهدفها بكثير من الغارات الجوية. وحين استعادتها القوات الشرعية الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي في منتصف أغسطس/آب 2015، تعرضت القلعة، أيضا، لاستهداف الحوثيين. تضررت  القلعة بشكل كبير كبعض منافذها والممرات التي كان يسلكها الزوار مع عائلاتهم. في اللحظة الراهنة تخضع القلعة لسيطرة كتائب أبي العباس التابعة للواء 35 مدرع. واقع الحال هذا يجعل الناس يحجمون عن
.زيارة ذلك الموقع السياحي الذي اعتادوا على التردد عليه

الصور بإذن من محمد التويجي

الصور بإذن من محمد التويجي

مشروع ترميم القلعة: الفرحة التي لم تكتمل

في 2002 بدأ مشروع ترميم وتسوير قلعة القاهرة الذي وجه به المجلس المحلي بتعز  واستمر حتى مطلع العام 2014. و قد ظهرت القلعة عقب عملية الترميم بحلة جديدة تليق بمكانتها السياحية.  هذا، رغم أن التعديلات التي استحدثت في القلعة لم ترق بعض المهتمين والمتخصصين في التاريخ الحضاري والمعماري لليمن. وكان وجه
.الاعتراض الأساسي لدى هؤلاء يدور حول إزالة السور الأثري الذي تم استبداله بسور جديد

وعند استطلاعنا لبعض الآراء في المدينة بخصوص القلعة أفاد وديع الشيباني أنه كان كثيرا ما يزور القلعة قبيل
."الحرب كلما قدم إلى مركز المحافظة. القلعة بالنسبة لوديع: " رمز للأمان والشموخ والتاريخ العريق

يقول وديع بخصوص الترميمات " إنها كانت جيدة لولا تلك  التغييرات  الجائرة التي طالت أسوار القلعة والتي
."أفقدتها القيمة الأثرية و أبعدتها عن الأصل والزمن اللذين تنتمي إليهما

وعن الوضع الاستراتيجي للقلعة يقول وديع "في ثورة 2011 ظلت القلعة التي كانت تحت سيطرة نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح تمطر المدينة وأحياءها بقصف يطال معظم الأحياء. راح ضحية ذلك عدد من القتلى والجرحى. وتكرر السيناريو مرة أخرى خلال الحرب الحالية نتيجة لتمركز الحوثيين فيها. وهو الأمر الذي جعل التحالف العربي الداعم للشرعية يستهدف القلعة بالضربات الجوية.  هذا السجال الحربي أرعب الأهالي الذين
."يعيشون حول القلعة. كانوا في خوف دائم من أن يطالهم القصف

و يقول صلاح الجندي، أحد أبناء مديرية الجند التي تقع على بعد 21 كيلو مترا شمال شرق محافظة تعز، إنه عندما كان طالبا في الثانوية العامة كان يتردد على  القلعة كثيرا رغم بعدها عن موطن سكنه. القلعة من وجهة نظر صلاح "التعبير الجميل والأنيق عن الحضارة والتاريخ في اليمن، وفيها معاني الشموخ والمقاومة ضد من يريد السيطرة
."على المدينة أو إذلال أهلها

للقلعة عند صلاح معاني أخرى ترتبط بالتسليه والهروب من الهموم فهو يعتبرها " متنفاسا جماليا لأبناء المحافظة، فيها يستطيع المرء الخروج عن الروتين اليومي والاطلال من بعيد على نشاط الناس مع الاستمتاع بخلو البال من المشاعر
."السلبية

 يضيف صلاح الجندي " استطعت قبل حوالي شهر زيارة القلعة بصعوبة. رأيت الدمار الذي حل فيها. وهي في ذلك لا تختلف عن شوارع تعز ومبانيها التي تعرضت للقصف والدمار. شعرت بالحنين لأوقات السلام التي كنا نستمتع فيها بمنظر المدينة من هناك. في زيارتي الأخيرة هذه لها اغتسلت المدينة بالمطر؛ فكانت لحظات ساحرة
."جلبت لي السعادة بعد ثلاث سنوات من تعاسة الحرب

القلعة شاهدا على حكايات الحب

قلعة القاهرة كانت شاهدا صامتا على الحب الذي كبر رويدا رويدا بين عبدالله محمود وزوجته أماني. ففي الوقت
.الذي يذهب فيه الكثيرون من العشاق إلى الحدائق أو المطاعم اختار الزوجان القلعة لتكون شاهدا على حبهما

يقول عبدالله " كنا في فترة العقد نقضي وقتا رائعا قرب القلعة نراقب المدينة وهي تغتسل بالمطر في النهار ونرى أضواء المنازل وهي تلمع في الليل. بالأحاديث الجميلة والهواء العليل بجانب القلعة ينسى الإنسان هموم الحياة. بعد
."مرور 7 سنوات على زواجنا، صار حبنا عظيما كعظمة تلك القلعة، وسيكون  خالدا كخلودها على مر الزمن

الصور بإذن من محمد التويجي

الصور بإذن من محمد التويجي

تاريخ القلعة

وحول نشأة القلعة يذكر الباحث أحمد عبدالوهاب أن هناك مراجع تقول إن القلعة تعود إلى ما قبل الإسلام (ما بين 5000عاما إلى6000 عاما). وهو ما أكدته الآثار والنقوش التي تم العثور عليها على مدخل الباب الرئيسي للقلعة. وقد سيطرت عليها الدولة الصليحية في النصف الأول من القرن السادس الهجري وأضافت فيها بعض الترميمات والتحصينات. و بحسب عبدالوهاب، فقد اكتسبت القلعة دورا أهم في عهد الدولة الرسولية. فالملك المظفر يوسف بن عمر الرسولي (1222 - 1297 م)، ثاني ملوك الدولة الرسولية و أعظمهم، قد اتخذ من القلعة معقلاً له و أطلق عليها (دار الأدب)، كما جعل من تعز كلها عاصمة لحكمه. وظل للقلعة أهميتها الخاصة المكتسبة
.من أهمية  تعز في عهد الدولة الطاهرية ثم  في عهد العثمانيين

وفي فترة حكم الدولة المتوكلية الزيدية اتخذها الإمام يحيى بن محمد حميد الدين (ت. 1948) وابنه أحمد بن يحيى حميد الدين (ت.1962)  معتقلا للرهائن من أبناء شيوخ المنطقة الذين كان الإمامان يحتجزانهم حتى يضمنا ولاء
.أبائهم والقبائل التي ينتمون إليها

و إلى جانب هذه الطابع العسكري والسياسي، كان للقلعة - بحسب أحمد عبدالوهاب - وظيفة خدمية مدنية؛ فقد
.كانت فناراً يربط الطرق التجارية في عصر ما قبل ثورة1962 التي قامت ضد الإمامة في شمال اليمن

الاسم والمعمار

اختلفت الآراء حول اسم تعز فهناك من يرى أن  اسم تعز يطلق على القلعة فقط، بينما المدينة كانت تسمى "عُدينة"، أو "ذو عُدَينة" (تصغير لاسم مدينة عدن لأن التجار العدنيين كانوا يتخذونها منتجعا سياحيا) ومع الوقت انتقل اسم القلعة ليطلق على المدينة.  وهناك من يرى أن تعز المدينة أقدم من القلعة وأن أصل اسمها (تعوز) ويعود
.إلى أكثر من ستة ألف عام

و يطلق علي  القلعة عدة أسماء من أهمها (القاهرة). ويقال إن الإمام يحيى شرف الدين (ت.1555م) وابنه المطهر ابن يحيى شرف الدين (ت.1572م) قد أطلقا هذا الاسم عليها؛ لأن من يحكمها يقهر أعداءه لشدة تحصيناتها ووقوعها على طريق التجارة الممتد من عدن إلى المعافر مرورا ببرك الغماد في منطقة السوداء ووصولا إلى المخا. و
.أطلق عليها الرسوليون دار الأدب كما ذكرنا. وتسمى أيضا الإمارة

وكشفت عملية الترميم التي خضعت لها القلعة مؤخرا عن أجزاء كثيرة من القلعة لم تكن معروفة من قبل. تتكون القلعة في المحصلة من جزئين:  الجزء الأول الذي يُطلق عليه اسم (العدينة) ويضم حدائق معلقة على هيئة مدرجات شيدت في المنحدر الجبلي وسداً مائياً وأحواضاً نحتت وشيدت في إحدى واجهات الجبل فضلاً عن القصور التي تتناثر في أرجائه محاطة بالأبراج والمنتزهات. ويضم هذا الجزء أيضا أنفاقا وممرات سرية تربط القصور. وأما الجزء الثاني من القلعة، فهو ما يسمى بـ(منطقة المغربة). وفي هذه المنطقة عدد من القصور وأبراج الحراسة ومخازن الحبوب وخزانات المياه. و أخيرا يأتي سور القلعة الذي يبلغ ارتفاعه 120 مترا وبسمك 4 أمتار.  وقد كان يتصل سور القلعة مع سور مدينة تعز القديمة في الزمن القديم. و تجدر الإشارة هنا إلى أن لباب المدينة القديمة أربعة أبواب رئيسة وهي: الباب الكبير وباب الشيخ موسى و باب المداجر وباب النصر. ولم يعد من سور القلعة إلا ما
.يحيط بها مباشرة

ومن الإضافات الإنشائية التي حدثت في محيط القلعة وتذكرها المصادر بناء الصليحيين لما عرف بعد ذلك بدار الأدب. وكذلك بناء الملك المؤيد داود بن يوسف الرسولي(1297م-1321م) مدرسة عام (702هـ/ 1402م)، وقبة صغيرة ومتنزها. ولا تزال بعض هذه المعالم قائما حتى اليوم. كما شق العثمانيون أنفاقا عميقة تحت الصخر
.اتخذت ملاجئ ومخازن وسراديب، ولا تزال منافذها على الطرف الآخر من القلعة مجهولة إلى الآن

الصور بإذن من محمد التويجي

الصور بإذن من محمد التويجي

و بحسب فخر العزب، فإن لقلعة القاهرة  قيمة رمزية كبيرة، فإلى جانب كونها حصنا تاريخيا من حصون المدينة ترتبط القلعة بصورة هرمونية متجانسة بمعالم المدينة الأخرى كجامع المظفر ومدرسة الأشرفية وقبر متعب والأبواب القديمة كباب موسى والباب الكبير وغيرها من المعالم. ولهذا السبب الاسترتيجي والجمالي اكتسبت القلعة شهرة أكبر
.من قلاع أخرى موجودة في الريف التعزي مثل قلعة المقاطرة أو قلعة الدملؤة في الصلو

حضور القلعة في الأدب والغناء اليمنيين

للقلعة حضور في الأدب اليمني الحديث، و لاسيما في رواية (الرهينة- صدرت عام1984) للروائي زيد مطيع دماج (1943-2000) الذي وثق  في سرده تاريخ كفاح الشعب اليمني ضد الأئمة الذين استخدموا القلعة سجنا للرهائن.
.اليوم يعيد التاريخ نفسه، فالقلعة تشهد أحداث الصراع  الدائر بين الأحرار والأئمة الجدد

و للقلعة أيضا حضور في الغناء  اليمني؛ فالفنان أيوب طارش عبسي تغنى بها في أغنية يقول فيها: "يا نور يا مسك يا حسًان يا خوله ...هاتوا الورود والرياحين وأشعلوا الشمعة .....وزينوا بالقناديل هامة القلعة". فالقلعة، بذلك، معلم
.اجتماعي مرتبط بالأضواء الليلية المصاحبة لفرح لسكان المدينة