المخا: قصة انهيار مدينة البُن - الجزء الأول

 

البدايات

حين محى الدهر مدينة البن كان من المستحيل أن يُنسى أثرها الوحيد وهو المشروب الأكثر شعبية في العالم. لم تلبث أن ظهرت مدينة المخا فجأة في وجه العالم حتى عادت بعد خمس قرون لتختفي سريعا وتنسى!, وكأن شيء لم يكن!  لقد حدث هذا التلاشي السريع في فترة وجيزة, وكأن وجودها ارتبط بمهمة نبيلة ومسلية في نفس الوقت وهي تعريف البشر بشراب غير حياتهم إلى الأبد. ولم نسمع عن مدينة حديثة التكوين ماتت في عصرنا كما فعلت المخا، فنحن لا نتحدث عن مدينة عاصرت برسيبوليس وطروادة كما هو حال مدن اليمن القديم، بل عن مدينة لم يتجاوز عمرها بداية عصر النهضة الأوربية. فكيف انتهت ما تسمى اليوم بالمخا القديمة ولماذا؟

تجمعت في القرن الخامس عشر على ساحل منطقة تدعى المخا أو ("مختن" كما جاء ذكرها في النقوش الحميرية القديمة) بضع أكواخ من القش والقصب بجوار كوخ شيخ صوفي يدعى الشيخ أبو الحسن علي بن عمر الشاذلي (ت. 1416م) والذي يقال إنه من أدخل البن إلى المخا ليحفز هذا المشروب طلابه على الذكر والدراسة. وفي هذا السياق، ينسب إلى صوفية اليمن ابتكار شراب البن عبر تجفيف ثماره ثم تحميصها. ومن المغرمين بالقهوة والمتغزلين بها في أشعارهم الشيخ عبدالهادي السودي(ت.932م). و القهوة حاضرة  في الحضرات والموالد الصوفية في اليمن حتى اليوم كتلك التي تقام في كل من تعز وزبيد وحضرموت والبيضاء. و تجدر الإشارة أنه نسبة إلى هذا الشيخ تسمى
.القهوة في بعض مناطق اليمن اليوم بالقهوة الشاذلية

سرعان ما تزايد مع الوقت عدد المنازل في المخا لتتكون في القرن الخامس عشر مدينة مكتملة المرافق, ويذاع صيتها في مختلف أرجاء العالم كمدينة يرتبط اسمها بالبن ابتداء من القرن السادس عشر. ويرجع المؤرخون أصل كلمة موكا (Mocha) وهو اسم نوع شهير من البن إلى ( مخا ), وهو اسم المدينة و اسم مينائها الذي انتشر عبره البن إلى العالم. وبالرغم من كون هذه التجارة هي سبب نشوء المدينة و اندثارها كمدينة، فإن ميناءها كان يصدر العديد من
.المنتجات بجانب البن، كالفضة والبخور واللبان والميعة حتى نهاية القرن التاسع عشر

وصف المدينة

 بُنيت مدينة المخا على بعد 75كلم إلى الشمال من باب المندب، على خط طول ١٣°.١٩`, في منطقة جرداء وجافة لافتقارها للأمطار, وتهب عليها الرياح من الشمال لمدة ستة أشهر ومن الجنوب في الستة الأشهر المتبقية من العام باستثناء شهر أغسطس, وفيه تكون الرياح غربية وأحيانا جنوبية غربية أو جنوبية. والآبار فيها معدومة باستثناء بئر بجوار ضريح الشاذلي، وكان هذا البئر في فترة تألق المدينة مخصص للأغنياء، أما الفقراء فكانوا يمشون لمدة أربع ساعات ليجلبوا الماء العذب من قرية على تخوم التلال الشرقية تسمى موزع. وأحاط بالمدينة سور من الطين والأحجار مزود بعشرة أبراج عريضة للحراسة,  وللمدينة خمسة أبواب وهي: باب العمودي ويقع باتجاه الشمال، و وباب الشاذلي ويقع باتجاه الشرق، وباب فجير ويقع باتجاه الجنوب الشرقي، وباب صندل باتجاه الجنوب، وباب الساحل وهو الباب الغربي والمطل على البحر. وكان للمدينة أربعة أحياء خارج أسواراها وهي: حي الشاذلي في الشرق, وحي اليهود في الجنوب الشرقي، وحي الصوماليين في الجنوب الغربي, وحي الأوربيين في الشمال. وعدد كبير من الأحياء التي احتواها السور, أهمها: حي الإنجليز وهو الجزء الشمالي الغربي من المدينة، وحي الفرنسيين وهو الجزء الجنوبي الغربي، وحي البانيان في الجزء الشمالي، وحي دوراس في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة وفيه ساحة كبيرة خصُصت لمقابر المسلمين. أما بقية الأحياء خصوصا تلك التي مثلت قلب المدينة واحتوت أطولها ارتفاعاً, فلم أعثر على
.وثائق وخرائط قديمة تبين أسماءها وأهميتها

 خريطة مدينة المخا - جاك نيكولاس بيلين 1776

خريطة مدينة المخا - جاك نيكولاس بيلين 1776

لم يتبقَ من مرفأ المدينة  الذي امتد مسافة (30 - 50 متراً) إلى داخل البحر سوى أساسات من الحجارة مطمورة بالرمل، يستدل منها على وجود آثار مبنى لمسجد وأحجار دائرية الشكل كانت تستخدم لطحن الحبوب. أمَّا فناء الميناء  فقد وصلت  مساحته إلى (40 × 12 متراً)، وفي قمته صحن دائري من معدن النحاس ارتبط بسلم حديد إلى الأسفل. كان شاطئ المخا مغلق من الجنوب والشمال بسور بحري يتصل بسور المدينة, ويمتد مسافة 32 مترا إلى داخل البحر,  وكان هذا السور يعمل على إحكام إغلاق المدينة بعزل شاطئها وربطه بها, وذلك لمنع التهرب الجمركي والمتسللين
.الذين يتفادون المرور بالبوابات الرسمية

كانت المدينة محمية من الخارج بثلاث قلاع  رئيسية مزودة بالمدافع, اثنتان على الساحل وأخرى كانت تتوسط السور الجنوبي للمدينة , وهي: (قلعة الطيار) وكانت على يمين المرفأ, وسميت بهذا الاسم تيمنا بولي مسلم دفن في مكان قريب, و(قلعة عبد الرب الشاذلي)  وكانت على  يسار المرفأ, وهي صغيرة الحجم، سميت بهذا الاسم بسبب وجود ضريح لأحد أبناء الولي الشاذلي على مقربة منها,
.و(قلعة مالطة), وهي قلعة كبيرة بجوار باب صندل, وارتبطت بسياج سورة المدينة الجنوبي

 

كان سوق الخضار أكبر الأسواق في المخا, وامتدت ساحته ليتصل بعدة أحياء جنوب المدينة. وأطلت على السوق بيوت جميلة بنيت من الحجر المشذب الأزرق والأبيض وصل ارتفاعها إلى أربعة طوابق, وانتشرت بمحاذاة سور المدينة قصور بنيت من الأحجار والطوب الأحمر قريبة الشبه بمنازل حي بير العزب في صنعاء  لكن بشكل أكثر إتقاناً بحسب وصف المستشرق الألماني كارستن نيبور, وفي شمال المدينة توزعت بشكل غير منتظم منازل فقيرة من الطين والقصب. كان الجمرك أكبر مباني المدينة و يواجه المرفأ مباشرة, ويفصل بينه وبين جسر الميناء ساحة كبيرة تتصل بها أغلب المباني الحكومية كقصر الحاكم, الذي انتصب كواجهة المدينة على البحر بإرتفاع ثلاثة طوابق تزينها
.الأقواس والزخارف كما أحاطت بقصر الحاكم من جميع الجهات خيام استخدمت كثكنات للجنود

 منظر لميناء المخا, ويظهر على يسار اللوحة قصر الحاكم وعدد من الخيول والجنود. جورج أنسلي" 1804

منظر لميناء المخا, ويظهر على يسار اللوحة قصر الحاكم وعدد من الخيول والجنود. جورج أنسلي" 1804

أما مساجد المدينة, فقد دمُر الكثير منها ولم يبق منها إلا مسجدان, وهما: (جامع الرحمة) ويقع على الشاطئ، وهو مسجد قديم له منارة ترتفع ما يقارب خمسة وعشرين مترا, ولايزال الاسم الأصلي لهذا المسجد مجهولا, فقد كانت المساجد قديما تسمى بأسماء أولياء صالحين أو ملوك ساهموا في بنائها, وكان هذا الأسلوب  في تسمية المساجد متبع في اليمن ككل حتى ثمانينيات القرن الماضي. واليوم لم تعد هناك مباني وحارات مزدحمة تحيط بالمسجد عدا القليل من
.البيوت الغارق جزؤها النصفي وسط الرمال

 أما المسجد الثاني فهو (جامع وضريح الشيخ الشاذلي), وينسب إلى الشيخ أبي الحسن علي بن عمر الشاذلي المشار إليه سابقا. يقع المسجد خارج المدينة القديمة على مسافة نصف كيلو متر في اتجاه الشرق وقد جدد في العام 1987, وإليه تتم الزيارات الصوفية حتى وقتنا الراهن. وفيه تقام رجبية الشيخ الشاذلي التي تعد طقسا ضاربا في القدم يتم فيه الاحتفاء بالمولد والذكر والاستمتاع بلذيذ المأكولات والمشروبات. كما أن أحد أبواب المدينة المؤدية إليه سمي هذا
.الولي ومسجده لأهميته ورمزيته

قبل أن تندثر مدينة البن ويغادرها سكانها, لم يكن قد مضى على نشؤها أكثر من خمسة قرون, وهو عكس المتعارف عليه, حيث يستند غالبية الباحثين اليمنيين على نقش حميري يعود إلى القرن السادس ميلادي ذُكر فيها اسم المدينة, ويعتبرونه دليلًا لقياس عمرها، ويذكر النص أن الملك يوسف أسار والقبائل المتحالفة معه طردت جيوش الأحباش من السواحل اليمنية ثم قامت ببناء حصن دفاعي في المخا لمواجهة أي غزو جديد. والحقيقة أن اليمنين حتى القرن الرابع عشر لم يكونوا قد بنوا أي مدينة على الساحل الغربي, وهذا لعدم ظهور التجارة البحرية في البحر الأحمر قبل ذلك الوقت. إن القول بأن عمر المدينة لا يتجاوز أربعة قرون يستند إلى حقيقية ارتباطها الشديد بتجارة البن من ناحية, ومن ناحية أخرى إلى عدم ملائمة بيئتها المتسمة بالرطوبة العالية والحر الشديد وانعدام المياه  لمتطلبات بناء المدن القديمة, والتي دائما ما كانت تتطلب وجود أنهار أو ينابيع كأقل تقدير بالإضافة إلى أرض خصبة للزراعة
.ودرجة حرارة مقبولة

 دفنت الرمال أغلب الطوابق الاولى من مباني حي مسجد الرحمة التاريخي, ايرك لافورجي

دفنت الرمال أغلب الطوابق الاولى من مباني حي مسجد الرحمة التاريخي, ايرك لافورجي

إن هذه المتطلبات الصعبة تفسرعدم ظهور المدن في السواحل الغربية لليمن قبل ظهور التجارة في البحر الأحمر, وتعطي صورة  لسرعة نشوء المدينة وانهيارها الدراماتيكي المفاجئ, فبعد توقف تجارة البن لم يتبقَ لسكان المدينة أية منفعة أمام تحمل بيئة المخا الطاردة للسكان, وبإستثناء الصيادين وبعض التجار العاملين في التجارة مع أثيوبية انتقلت الأسر ذات الدخل المتدني إلى قرى المرتفعات الخصبة للعمل في الحقول الزراعية, واختار ذوو الدخل المتوسط من الحرفيين والمتعلمين الانتقال إلى المدن الرئيسية كالحديدة وتعز وصنعاء وغيرها حيث التجارة والأسواق النشطة, أما التجار والدبلوماسيون الأجانب ففضلوا العودة مبكرا إلى بلدانهم باستثناء قلة انتقلت إلى مستعمرة عدن التي تحولت
.مع بداية القرن العشرين إلى بوابة اليمن التجارية والفكرية

المخا اليوم

 "مسجد الشاذلي يحيطه فراغ وخراب وبقايا أعمدة متأكلة. "ايرك لافورجي

"مسجد الشاذلي يحيطه فراغ وخراب وبقايا أعمدة متأكلة. "ايرك لافورجي

منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي بدأ من تبقى من سكان المخا مسلسل التخلي التدريجي عن القلب التاريخي للمدينة ليسكنوا متفرقين خارج حدودها الأصلية, وليطلق على ما كانت تعرف بمدينة المخا اسم "المدينة القديمة".  و بدون أي اعتبار لخصوصيتها التاريخية تعاملت الحكومات الحديثة بإهمال مع مناشدات تنادي إلى ترميم المدينة. وبذلك ظلت  مدينة المخا تسير بهدوء نحو الاندثار, وتصبح اليوم مساحة مقفرة وعمارات مدفونة تجوبها الكلاب مع وجود بعض المنازل المتبقية في حالة رثة,
.وقد غمرت الرمال طابق أو طابقين منها

 وعلى مسافة ٢ كلم شرقاً من المخا نجد بلدة صغيرة تدعى المخا الجديدة, وهي حسب معايير المدن اليوم أصغر من أن تكون مدينة, ويبلغ سكانها ثمانية آلافٍ يسكنون مباني مبعثرة على مساحات واسعة مع انعدام المرافق الأساسية ومياه الشرب. ولا تكثر في هذه البلدة تجمعات أسرية مستقرة في مقابل نسبة كبيرة من السكان يعيشون فرادى وبشكل غير دائم  كالعمال القادمين من الأرياف للعمل في الصيد أو تصليح السيارات أو في نقل البضائع المهربة
.من البحر كالسجائر والأدوية المنتهية صلاحيتها

اليوم أصبح البن صناعة عالمية عملاقة يعمل فيها أكثر من عشرين مليون شخص حول العالم, ويحتل كسعلة متداولة المرتبة الثانية بعد النفط من حيث الدولارات المتداولة عالمياً. وبات من يزور المخا لا يرى أسواقاً للبن ولا شوارع تعج بقوميات وأعراق متنوعة ولا أرصفة يلونها انعكاس الأضواء عبر القمريات, وأصبح من الصعب ملاحظة مبانيها السليمة بين أكوام متفرقة من الطوب المفتت. وحين يتوقف نعيق غربان الشاطئ الجائعة ويتوارى قرص الشمس
.في الأفق البعيد, يسُمع الصمت كما لم يسُمع من قبل