من المخا إلى ريو دي جانيرو: رحلة تهريب بذور البن -الجزء الثالث

 من ميناء المخا هُربت ذات يوم أول بذور البن إلى العالم. و لأكثر من قرن تنقلت سلالات هذه البذور عبر محطات كثيرة في آسيا وأروبا لتزرع منها مئات المزارع حول العالم. فشلت كلها في إنتاج بن ينافس مذاقه مذاق البن اليمني. ولأن البيئة المثالية لزراعة البن تتطلب أجواء حارة مع مرتفات جبلية تخفف أشعة الشمس, كان من الصعب على العالم فهم هذا السر البسيط وراء إزدهار هذه النبتة في اليمن. و بعد رحلة طويلة استغرقت قرناً من الزمان, تلاشى الغموض الذي يلف هذه الزراعة أخيراً مع وصول سلالة بذور البن المهربة من المخا إلى تلال ريو دي جانيرو في
.البرازيل حيث البيئة المثالية لزراعة البن

بداية ظهور البن

وفقاً للأساطير فإنَّ أسلاف شعب الأورومو،  وهم جماعة عرقية تسكن وسط وجنوب اثيوبيا, كانوا في فترة سبقت القرن السادس الميلادي قد تعرفوا على تأثير نبات البن المنشط. غير أنه لا يوجد دليل على قيامهم باستخلاص شراب البن. والمرجح أنهم كانوا يتعاطون البن بمضغ ثماره كما يتم مضع أوراق القات. وعن اكتشاف ثمار البن تحكي أسطورة أثيوبية أن راعي ماعز اكتشف التأثير المنشط لنبتة البن عندما لاحظ أن عنزه تتصرف بطريقة غريبة بعد تناولها أوراق هذا النبات . ويتحدث العلماء بأن الموطن الأصلي للبن المنحدرات الجنوبية الغربية للوادي المتصدع في
.إثيوبيا

الراعي كالدي واغنامه - عمل فني يعود الى القرن الثامن عشر - اسم الفنان: غير معروف

الراعي كالدي واغنامه - عمل فني يعود الى القرن الثامن عشر - اسم الفنان: غير معروف

وتلخصت نتائج البحث الذي أجراه عالم الجغرافيا كينث ماسون1887-1976, وعالمة الاقتصاد ماري بالي1850-1944, ونشر في العام 1946م تحت اسم (غرب الجزيرة العربية والبحر الأحمر) في أن نبات البن قد انتقل إلى اليمن من أثيوبيا في فترة سبقت الإسلام، ومن هذا النبات استخرج اليمنيون شراب البن الذي نعرفه اليوم بعد تجفيف بذوره وتحميصها (انظر الكتاب ص490). وانتشرت زراعة البن على المدرجات الزراعية المنحوتة في هضبة اليمن. كانت قوافل الجمال تستغرق مدة يوم لتجلب البن من المرتفعات إلى سوق مدينة بيت الفقيه الواقعة في منتصف سهل تهامة. وفي هذا السوق كانت أصناف متنوعة من البن تعرض أمام التجار القادمين من المخا لشراء البن. وكان يتم افراغ شحنات البن الوواردة من المزارع في مستودعات خلفية. وبعد عقد صفقات البيع مع التجار يتم
.إرسال شحنات البن من المستودعات الى المخا عبر قوافل الجمال لتشحن على متن السفن

كان التشريع الذي حافظت عليه كل الحكومات المتعاقبة في اليمن ينص بالإعدام على كل من يثبت محاولته تهريب بذور البن إلى خارج البلاد. وقبل أن يبيع المزارعون محصولهم من البن كان الموظفون الحكوميون يشرفون على عملية غلي الثمار بالماء الساخن مما يجعلها عقيمة لايمكن زراعتها. وكانت هذه السياسة الصارمة ناجعة جدا في حماية احتكار اليمن للبن عالمياً طيلة القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر. وشهدت اليمن فترة استقرار لم تشهدها منذ قرون, وأدّت الطفرة الاقتصادية الناتجة عن عائدات البن إلى توسع الطبقة الوسطى التي عملت في الزراعة والتجارة,
.كما ندرت المجاعات التي كانت من قبل تجتاح أقاليم كاملة وتحصد عشرات الألآف من اليمنيين

 لقد كان لهذا الاحتكار فائدة عظيمة, ليس فقط للملوك والسماسرة والاقطاعيين, بل حتى على مستوى المزارعين البسطاء الذين تحسن وضعهم الاقتصادي كثيرا. فكانت مزراع البن في حاجة دائما إلى عمال مما أدى إلى انخفاض مستوى البطالة. وبسبب الطلب العالمي المتزايد انتشرت هذه المزارع في اليمن بكثافة في مواقع معزولة بالجبال والوديان في المرتفعات الغربية والوسطى والجنوبية لليمن, بين ارتفاعات مختلفة تتراوح مابين 700 إلى 2400م فوق سطح البحر, وضمن نطاق مطري يصل من 400 – 700 ملي مترا سنوياً. كان أجود انواع البن اليمني يأتي من
.مناطق أكثر وفرة بالمياه كحراز وعتمة والعدين وشرعب و يافع  وبني مطر والحيمتين و بني حماد وآنس

كان الهولنديون الأكثر حماساً للحصول على بذور البن, بعكس الأتراك الذين حكموا اليمن مائة عام مع حفاظهم على سياسة منع التهريب حتى وإن كانت البذور المهربة ستُزرع في اسطنبول. و في العام ١٦٩٩ استطاع الهولنديون  أخيراً تهريب القليل من البذور في خرقة من القماش عبر أحد وكلائهم البانيان في المخا, الذي استطاع تجاوز كبائن التفتيش في جمرك الميناء بسلام. غير أن الإحتكار اليمني للبن لم يكسر حينها؛ ذلك أن البذور المهربة بالكاد بدأت
.رحلتها الطويلة والمحفوفة بالمخاطر والتي لن تنتهي إلا بعد قرن

الهولندييون يسرقون البذور

بدأ الهولنديون المسلحون بالبذور الخصبة زراعة البن في الجزر الإندونيسية كسومطرة وبالي وتيمور ثم في سريلانكا وجافا, كما أقاموا مصانع عديدة لطحن البن وتجفيفه. وصدروا إلى أروبا في العام ١٧١١م أول شحنة بن غير يمني ولم تكن تلك الشحنة  تزيد عن ٤٥٠ كيلوجراما. واستطاعوا بحلول نهاية القرن الثامن عشر تصدير ما يقدر بستين ألف كيلو جراما من البن الإندونيسي. وبالرغم من المناخ غير الملائم  فقد تمكنوا في امستردام من زراعة شتلات البن عبر إحاطتها ببيوت زجاجية تحفض حرارة النهار, ليقوموا في العام ١٧١٣ بحصاد أول شجرة بن أوربية. بعد ذلك أقدم عمدة مدينة امستردام في العام ١٧١٤م  على تقديم ثمار البن من مزرعة امستردام كهدية إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر. هنا لاشك أن الهولنديين قد نسوا أمرا مهما! وهو أن اليمنيين كانوا قد حافظوا على احتكارهم للبن من خلال الحرص على غلي ثمار البن  قبل بيعه للأجانب, وذلك لتصبح الثمار عقيمة وغير قابلة للزراعة. أما بعد هدية عمدة امستردام للملك الفرنسي فقد خسر الهولنديون سهواً احتكارهم للذهب الأسمر (البن) المهرب من المخا. ومن هنا
.يبدأ  الدور الفرنسي في الاسهام في تعجيل رحلة بذور البن إلى أمريكا اللاتينية

"قوافل البن القادمة من الجبال تستريح قبل الوصول إلى مدينة المخا, (نشرة تعود إلى العام 1850) "ارشيف هولتون

"قوافل البن القادمة من الجبال تستريح قبل الوصول إلى مدينة المخا, (نشرة تعود إلى العام 1850) "ارشيف هولتون

الفرنسيون ينقلون البن إلى أمريكا الاتينية

دون جدوى حاول الفرنسيون تأمين موطئ قدم لهم في تجارة البن مع المخا. غير أن الهدية السخية والمجانين من الهولنديين قد فتحت الباب واسعا أمام الفرنسيين في هذا المضمار. زرع الفرنسيون في حديقة جاردين دي بلانتيس في باريس أول شجرة بن فرنسية. أطلقوا عليها اسم (شجرة نوبل), وحضيت هذه الشجرة بعناية شخصية من الملك, ومنها انتقلت زراعة البن إلى المستعمرات الفرنسية في جزر الكاريبي في العام ١٧٢٣م عن طريق النقيب في البحرية الفرنسية غابرييل دي كليو. م (1688 ). كان دي كيلو قائداً لسرية مشاة فرنسية في جزر المارتيني, وحدث ذات يوم أنه زار باريس لأغراض شخصية, وعند وصوله سمع عن شجرة نوبل الملكية, وقد كان على علم بالفوائد الكثيرة التي تعود من تجار البن, ففكر في الاستفادة من سكنه في جزر المارتيني لزراعة البن؛ كون تلك الجزر تتمتع بمناخ حار شبه إستوائي. غير أن الحصول على بذور البن كان عائقاً أمام تحقيق حلمه, خصوصا أن الشجرة كانت تحت رعاية شخصية من الملك الفرنسي. ولم يكن لقائد المشاة هذا أية مكانة حقيقية في المجتمع الفرنسي ليتمكن من تقديم طلبه إلى التاج الملكي, ناهيك عن أن هذا الطب يخص كنوز الملك الثمينة.  غير أن الأمور جرت على غير المتوقع، فبعد محاولات طويلة تمكن قائد المشاة الطموح من تكوين صداقة مع سيدة نبيلة من نخبة المجتمع الفرنسي كانت على علاقة غرامية مع دي شيراك, طبيب البلاط الملكي الذي يحضى باحترام كبير من الملك. وبسهولة تمكن الطبيب من اقناع الملك, وسُمح لدي كيلوا بأخذ شتلة من البن مُغطاة بإطار زجاجي لخفض أشعة الشمس وتوفير الحرارة للنبات.
.ومن ميناء نانت رحل دي كليو إلى الكاريبي عام 1723 ومعه الشتلة الأم لكل البن في أمريكا الجنوبية

عندما وصل دي كيلو إلى جزر المارتيني قام على الفور بزراعة أول شجرة بن. وبسبب تتالي الأعاصير المدمرة, اتجه سكان جزر المارتيني إلى زراعة البن بديلاً عن الكاكاو, لكون أشجار البن القصيرة نسبيا أقل عرضة للدمار الذي تصنعه الأعاصير. وسرعان ما مكنت سرعة نمو زراعة البن في المارتيني دي كليو من إرسال شتلات إلى كل الجزر المجاورة. وفي  العام ١٨٢٥م أخذ الأمريكيون من المارتيني شتلات بن قاموا بزراعتها في هاواي وهي الأرض الأمريكية الوحيدة المناسبة لزراعة البن. وفي العام ١٧٢٦م أخذ البرتغاليون من المارتيني بضع شتلات من البن قاموا بزراعتها في مناطق شمال البرازيل أولاً, ثم انتقلت ببطئ عبر الفلاحين لتزرع في العام ١٨٠٠م على سفوح
.جبال ريو دي جانيرو و ساوباولو حيث البيئة الأكثر ملائمة لزراعة البن في العالم

 

طابع بريد يمني يعود إلى العام 1946

طابع بريد يمني يعود إلى العام 1946

الموت البطيئ للبن اليمني

على الرغم من انتهاء زمن استحواذ المخا على تصدير البن، فإن ميناءها قد ظل يصدر النسبة الأكبر من البن من أجمالي صادرات العالم حتى نهاية القرن التاسع عشر.  بعدها أخذت البرازيل في اكتساح سوق البن وسط انهيار متسارع لسوق المخا, لتصبح البرازيل المُصدر الأول للبن في العالم, وتغطي مزارع البن فيها مساحة 19177 كيلومترا مربعا, أي ما يوازي تقريبا مساحة دولة سلوفينيا, بإنتاج سنوي يصل إلى 65 مليون كيس سنوياً. و على الرغم من تلك الحقائق التاريخية، فإن توقف اليمن عن زراعة البن يعود إلى عوامل اقتصادية و سياسية بالدرجة الأولى. فقد أدى الاحتقان السياسي والنزاع المسلح الذي رافق عودة الدولة العثمانية إلى اليمن منتصف القرن التاسع عشر إلى حدوث مجاعات كبرى قضت على قدرة المزارعين في مواصلة زراعة البن. ومن جهة أخرى أدت الحاجة إلى المال عند البعض منهم إلى زراعة القات كبديل عن البن, كونه يعود على المزارع بأرباح مضاعفة أكثر من تلك التي تعود بها زراعة البن, بالإضافة إلى عدم حاجة المزارعين إلى بذل جهد كبير في العناية بأشجار
.القات ومحصوله كما يفعلون عند العناية بأشجار البن


حتى منتصف القرن الماضي كانت كل مزارع البن المنتشرة في العالم تعود إلى بذور البن المهربة من المخا عام 1699م. وفي نهاية المطاف كان لابد لزراعة البن أن تنتشر في العالم كله, ويتنوع مذاقه ويرخص ثمنه. و الأمر الباعث على الحزن هو توقف اليمن عن زراعة البن, ليكون الحديث عن البن اليمني حديثاً عن ماضٍ جميل لا يرقب
 .أحد عودته عن قريب