بيسمنت: منصة اليمنيين نحو الفن والسلام

   للفنِّ أهميته الخاصة  في حياتنا، فهو يتيح للإنسان التعبير عن نفسه أو محيطه بشكل بصري أو صوتي أو حركي، وترجمة ما ينتابه من أحاسيس داخلية. والفن، إلى ذلك وسيلة من وسائل التفاهم الإنساني، فمن خلال الموسيقى
.والرسم والشعر والرقص يصِلُ الإنسان إلى غيره من الناس بصورة تحمل مضمونا جميلا

وفي ظل الوضع الراهن الذي تشهده اليمن جراء الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، توقفت أكثر المؤسسات عن العمل، إلا أن مؤسسة بيسمنت الثقافية لا تزال مستمرة في عملها وإقامة فعاليات وورش عمل ثقافية وفنية تهدف إلى نشر الفن والثقافة في أوساط المجتمع. وتلقى تلك الفعاليات وورشات العمل إقبالاً من قِبَل أفراد المجتمع بمختلفأطيافهم وانتماءاتهم، ويعلو صوت الموسيقى والفن على صوت الحرب والدمار والقصف في كل فعالية
.تقيمهاالمؤسسة

ومن تلك الفعاليات الثقافية المناظرة التي أقامتها المؤسسة بين فريقين أحدهما يؤيد أولوية الفن في الحياة والفريق الآخر يعارض ذلك، وذلك بحضور جمهور من مختلف فئات المجتمع. بدأت المناظرة بسؤال "هل للفن أهمية في المجتمع اليمني؟، وهل له دور في تخفيف المعاناة وتشكيل وعي عام بالقضايا الإنسانية، أم أنه مجرد ترف ووسلية ترفيه لا أكثر؟ 

 الصورة بإذن من مؤسسة بيسمنت الثقافية 

الصورة بإذن من مؤسسة بيسمنت الثقافية 

اجتمع الحاضرون داخل قاعة مجهزَّة بتجهيزات بسيطة تتسع لنحو 150 شخصا. كان جميع الحاضرين بداخل القاعة ينصتون لفريقي المناظرة. وقد اجتهد كلّ من الفريقين في تقديم حججه لإقناع الحاضرين بموقفه تجاه الفن. وفي ختام المناظرة  حصل الفريق المؤيد لأولوية الفن في الحياة على النسبة الأكبر من تصويت الجمهور. و قد رأى المشاركون
.في مداخلاتهم أنّ الفن واحد من أهم الوسائل التي من شأنها أن تواجه العنف والإرهاب

ويتم إقامة المناظرات في مقر المؤسسة كل أربعة أشهر إلى جانب الفعاليات التي تقام كل خميس، ويجد اليمنيون المهتمون بالفن في المؤسسة فضاء مناسباُ للتعبير والنقاش والاستفادة. ويتم ذلك من خلال الندوات والرسم والغناء
.والعزف وفن الكتابة والقراءة المشتركة

 وفي يوم الخميس من كل أسبوع تمتلئ قاعة مؤسسة بيسمنت بالرجال والنساء والشباب والشابات الذين يتلهفون لإيجاد مساحة سلام بعيدة عن الواقع الصعب الذي تمر به البلاد. و في هذا الصدد يصف شهاب المصري، أحد مرتادي مؤسسة بيسمنت الثقافية، هذا المكان بالمنصة المفتوحة لكل الفنانين والمفكرين بغض النظر عن اختلافاتهم،
.معتبراً ذلك سبباً رئيسياً لمنح المكان ميزتي الاستمرارية والمتعة

ويقول شهاب "في مؤسسة بيسمنت أجد متنفساً أستطيع من خلاله الاطلاع بشكل أكبر ولقاء أشخاص يحملون نفس الهدف الذي أسعى إليه وهو "ايجاد مساحة سلام"، خصوصاً أنه يكاد أن يكون المكان الوحيد الذي يقدم تلك
.الفرصة في صنعاء واليمن بشكل عام"

بدأت البيسمنت نشاطها في اليمن، وبالتحديد في العاصمة صنعاء، عام 2009 كمبادرة شبابية أُطلق عليها آنذاك (منتدى التبادل المعرفي)، بهدف توفير مساحة لليمنيين لعرض افكارهم وتبادلها فيما بينهم من خلال الندوات التي
.تقيمها المبادرة

استمر عمل المبادرة وتوسع نشاطها بشكل أكبر، حيث بدأت بتنظيم فعاليات تشمل فقرات موسيقية وغنائية إلى
.جانب إقامة المعارض الفنية كالرسم والتصوير والنحت وغيره

وفي بداية ظهورها واجهت المبادرة تحدياً كبيراً، لاسيما بعد عام 2011 الذي شهد ثورة ضد نظام الرئيس اليمني السابق، علي عبدالله صالح، حيث تم توجيه تهمة الإلحاد إلى مرتادي الفعاليات التي تقيمها المبادرة. ويعتبر المجتمع اليمني، مجتمعا محافظا وتقليديا، يعيب الاختلاط وممارسة المرأة للفنون، ويعتبرأشياء من هذا القبيل  تعدياً على
.ثقافته وعاداته وتقاليده الراسخة

وتقول شيماء جمال، المدير التنفيذي للمؤسسة، "بيسمنت كانت السبَّاقة للانفتاح في مجتمع منغلق ومحافظ، كانت تناقش قضايا تعتبر "محرَّمة" في المجتمع اليمني، فمثلاً لم يتقبَّل البعض فكرة أن تعزف الفتاة إلى جانب الرجل أو فكرة الاختلاط، ولهذا السبب اعتبرها البعض ظاهرة غريبة". وتتذكر جمال جيداً كيف كان المسجد الواقع بجانب مقر المبادرة يحرض المصلين ضد فريق المبادرة، حيث كان يدعو الناس إلى عدم السكوت على ما وصفه "بالفساد"، ما
.اضطر المبادرة حينها إلى إغلاق المنتدى لمدة زمنية وصلت إلى ستة اشهر في عام ٢٠١٢

 بعد تلك الظروف الصعبة قرر القائمون على المنتدى تحويله إلى مؤسسة ثقافية بتصريح ولوائح لتتضح ملامحه أكثر وليكون له حق قانوني في حال تعرضه لاتهامات أخرى من قِبَل بعض الأشخاص أو المجموعات. وفي هذا الصدد قام
،الشابات والشباب بتقديم الدعم الذاتي للمؤسسة عن طريق دفع مبالغ زهيدة ليتمكنوا من خلالها استئناف عمل
.البيسمنت ولكنْ في إطار مؤسسي وبتصريح ودعم بسيط من وزارة الثقافة

 الصورة بإذن من مؤسسة بيسمنت الثقافية 

الصورة بإذن من مؤسسة بيسمنت الثقافية 

ومنذ بدء الحرب في اليمن، بدايات العام 2015، لم تتوقف مؤسسة البيسمنت سوى أسبوع واحد، ومن ثم واصلت عملها في إقامة الفعاليات الثقافية. وتقول جمال، "في بداية الحرب توقفنا لمدة أسبوع واحد ومن ثم قررنا أن نستمر ونقيم فعالياتنا على الرغم من تخوفنا من عدم حضور أحد". وتضيف جمال بأنها تفاجأت بحضور العديد من الأشخاص، حيث خرج بعضهم من منازلهم تحت قصف الطيران والمضادات الأرضية من أجل حضور الفعاليات
.التي أقيمت في بيسمنت

وتابعت  جمال "يجب أن نستمر وندعم الفن لأنه سيغير ويعطي العالم صورة أجمل عن اليمن واليمنيين الذين يسعون
.للسلام؛ صورة بعيدة عن مظاهر الحرب التي شوهتْ كل جميل في بلد يحوي شتى أنواع الفنون"

وتضم البيسمنت معرضاً فنياً ومرسماً ومكتبة، وتحمل جدران ممراتها لوحاتٍ وصوراُ تعكس المواهب المختلفة لدى
.الشبان والشابات اليمنيين وشغفهم بالفن

ويعمل فريق مؤسسة البيسمنت بشكل تطوعي، حيث ترى جمال أن إعطاء الفرص للناس في بلد لا يمنح أي فرصة
.لهم هو بحد ذاته  إنجاز كبير

وتضيف "في كل فعالية نقيمها نقابل أشخاصا لديهم الرغبة في تقديم وعرض مواهبهم، وهذا بحد ذاته يمنحنا حافزا كبيرا للاستمرار في العمل بشكل تطوعي رغم كل الظروف الصعبة كي لا نحرمهم من فرص هم بأمس الحاجة
".إليها

وتفتقر اليمن للمؤسسات الثقافية بشكل كبير، حيث لا يوجد فيها مراكز ثقافية سوى المركز الثقافي التابع لوزارة
.الثقافة، إلا أنَّ هذا المركز يضع معاييرعالية  لاحتضان أعمال الفنانين والأدباء

وبحسب جمال، لاتضع مؤسسة بيسمنت معايير لاستقبال أي موهبة، وكل ما يهمها فقط هو إعطاء مساحة للتعبير
.ولتقبل الآخر بعيداً عن الحزبية ونزعة التسييس

وتعمل مؤسسة البيسمنت الثقافية حالياً على عدة مشاريع من بينها منتدى التبادل المعرفي الذي يقام كل خميس ويقدم عروضا فنية متنوعة ومعارض وندوات. وذلك إلى جانب ورشات العمل التي تقام بين فترة وأخرى من بينها (كُراس، وفضاءات، وورشة الأفكار) والهدف منها هو صقل مهارات المشاركين وتطوير فنون الكتابة والرسم
.والتصوير وغيرها من المهارات الموجودة لديهم

كما تقيم المؤسسة مشروع (سينما شو) الذي يهدف إلى إعطاء صانعي الأفلام اليمنيين منصة لعرض أفلامهم بحيث
.تكون بديلا لدور العرض المغيبة في البلد

وعلى الرغم من أنّ الحرب الدائرة في البلد وما يترتب عليها من غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي هي من يحول دون ممارسة الأنشطة الثقافية بشكل طبيعي وواسع النطاق في مؤسسات مختلفة في اليمن، فإنَّ هنالك  الكثير من الأفراد الذين يملكون مواهب مختلفة يبحثون عن أية فرصة تمكٍّنهم من الحصول على مساحات مؤسسية يُظهٍرون من خلالها رفضهم لثقافة الصراع والحرب، و يكرسٍّون في خطاباتهم الفنية ثقافة تدعو إلى السلم المجتمعي والعيش المشترك و احترام كرامة الإنسان وتذوق الجمال. وهذه القيم الإيجابية وغيرها هي ما يرسم صورة للبلد تختلف عن تلك
.الصورة التي تقدمها وسائل الإعلام التي تميل، في الغالب، إلى اختزال المشهد اليمني في الحرب والصراع والتطرف