مؤرخ الأحداث العادية

خلق الناس من شعره سطوة جعلته شخصية فلكلورية في وقت قياسي، بل وشخصية نسبوا لها آمالهم وأحلامهم، وتطورت تلك الحالة إلى جعله شخصية خرافية لها القدرة على التنبؤ بالمستقبل. وتشكل رحلته الشعرية المبتدئة بديوان "من أرض بلقيس" (عام 1961) حتى "رواغ المصابيح" (1989) مرجعية حكمية لأحداث الماضي والحاضر
.والمستقبل للناسومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهم لأن المشاكل التي ناقشها شعره لا تزال قائمة إلى الآن

أمّا كتاباته النثرية فقد كان ظهورها في بداية السبعينيات مستهلّة بكتاب "قضايا يمنية" (1978) وكتابه المثير للجدل "رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه" (1978) الذي تناول فيه -كما يشي العنوان- تطور الشعر اليمني منذ بداياته الأولى حتى عصر البردوني. وقد أثارتْ آراؤه الجريئة في الكتاب اتهامات ضده كالتقليدية والتجنّي وغيرهما. بالإضافة لكتابته بالطرق القديمة نظرًا لتقليدية تعليمه الذي تلقَّاه في المدارس الدينية في ذمار (المدرسة الشمسية) وصنعاء (المدرسة العلمية). وقد حصل من المدرسة الأخيرة على إجازة (ما يشابه الليسانس) في اللغة العربية وعلومها. ولا يولي ذلك النوع من التعليم اهتماما بالطرق البحثية الحديثة التي تتضمن الهوامش والمصطلحات العلمية التي أضحت في البحث الأكاديمي أمرا شبه متفق عليه. ويرجِّح البعض أن عمى البردوني لم يساعده على الرجوع الدائم للمراجع، وإنما على ذاكرته، ويعتبر هؤلاء هذا السبب كافيًا للرد على منتقديه الذين أخذوا عليه عدم الالتزام بالمنهج الأكاديمي في الإحالة على مراجع. وهناك تيار آخر ينسب كتاباته إلى النقد الأدبي، وليس إلى التاريخ، لأن الأدوات المنهجية لكتابة التاريخ، طبقا لهذا الرأي، لا تتوفر لديه بالصورة المتعارف عليها في الزمن المعاصر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كان البردوني فعلا مؤرخًا؟

يمكننا اعتبار أول تأريخ مثير للتساؤل في حياة البردوني هو ميلاده، فقد ولد عبد الله صالح حسن الشحف في عام "جاءت الطائرات إلى ذمار" حين شوهدت لأول مرّة ويقدر أول قصف للطائرات في سنة 1922 أي بداية حرب الدولة المتوكلية مع الدولة البريطانية، ويشير الشاعر إبراهيم الحضراني إلى أنه شهد الحدث وعمره 9 سنوات، إذن فالحدث حصل تقديرًا 1928-1929، ويؤرخ رسميًا بالأول من يناير 1929، كجميع اليمنيين الذي لم يؤرخ لميلادهم، فالبردوني إذن من مواليد نهاية العشرينيات من القرن الماضي. وكبقية اليمنيين في المناطق التي تغلب عليها الأمية أرِّخ له بالأحداث الكبيرة،كسنوات الأوبئة والحروب، فيقال مثلًا: "ولد قبل سنة من الموت الكبير، أو
".سنة ظهور الطائرات في ذمار..إلخ

وفي كتب البردوني نجد الشعر متواجدًا في أغلب الصفحات، مهما كان الكتاب موغلًا في الأحداث السياسية أو الاجتماعية؛ فهو أداة في العملية التدوينية للكاتب بل ونصيره الأقوى. وفي كتاب "من أول قصيدة حتى آخر طلقة" (1993) يستخدم البردوني علم البلاغة كطريق لتحليل الزبيري الشخصية والشاعر، والعنوان كفيل بشرح الحركة التأريخية؛ فهو يتابع الزبيري منذ أول لحظات نبوغه الشعري، بقصيدة (تقريظ لكتابٍ ديني) حتى اغتياله في منطقة "برط"؛ حيث قرر أن يستقر لبناء تحالفات قبلية سياسية. وقد نتساءل: كيف يمكن للبردوني أن يؤرخ للزبيري من شعره؟ إنه يتابع لحظات التطور الشعري للزبيري، ودلالته اللغوية في أزمنة معينة، محاولًا ربطها بتأريخ القصائد التي وضعها الكاتب. ومن مواقفه ضد بعض المظاهر الاجتماعية يتطرق لشخصية الزبيري في الحياة العادية، كشخص له موقف اجتماعي وسياسي انعكس على طريقة لبسه وتصرفاته حتى الطلقة الأخيرة. وهو بذلك يحاول استنتاج وجمع ما يعرفه ويتذكرّه عن السياسي والشاعر الزبيري لكي يضعه في سياقه. ومن ذلك اهتمامه بأحداث عادية في حياة الزبيري كزيارته للمدرسة الشمسية، وإمامته فيها الصلاة. وقد ذكر البردوني تحديدًا نوع السور التي قرأها الزبيري في صلاته، وهي من السور الطوال التي يخاف كل من في المدرسة قراءتها حذرا من السهو والنسيان في الصلاة. ويمكن القول بأنَّ البردوني كان شاهدًا على الحادثة شخصيًا وأنها علقت في ذهنه وخصوصًا أنها كانت في فترة استقراره في ذمار وعمله في المدرسة مقابل يوميته من (الكدم) ؛ أي الخبز الجاف المعجون من أنواع مختلفة من الحبوب. إنَّ الأحداث العادية تدلل على مواقف الشخصيات التاريخية من النظام السياسي والاجتماعي، ولذلك كان البردوني حريصا على تدوين طريقة لبس الزبيري بالإضافة إلى رصد بعض القضايا الفقهية التي لا تتضمن، ظاهريًا،مقصدا
.سياسيا، بيد أنها تنطوي في داخلها على بذرة المعارضة السياسية

 Eclectic Yemeni رسومات توضيحية من قبل 

 Eclectic Yemeni رسومات توضيحية من قبل 

أما كتابه "اليمن الجمهوري" (1983) فالثيمة الأساسية فيه هي الجدل بالمعنى الهيجلي الماركسي للكلمة، فالجدل الثقافي والسياسي والحروب الفئوية على مدى العصور كانت مقدمات لقدوم ثورات شعبية في اليمن الشمالي والجنوبي، وقد أثر بعضها في بعضها الآخر، ودفعت إلى ظهور اعتقادات جديدة ساعدت في تجاوز العهد القديم نحو عصر الجمهورية، حسب مبدأ الصيرورة التاريخية. غير أنَّ عصر الجمهورية ظل يواجه إشكالية كبيرة، فشكوى الناس
.هي ذاتها لم تتغيركثيرًا ومن هنا عمد البردوني إلى تخصيص باب لهذه الشكوى

ومن ذلك يستنتج المرء أن التاريخ  وتحولاته قد يفتحان لنا آفاقًا أفضل ولكنها آفاق لمعاناة جديدة يجب تجاوزها دون إلقاء اللوم الكامل على عصور سابقة، كما هي الحال مع عهد الجمهورية في علاقته بعهد الإمامة في اليمن. ومثير للاهتمام أن البردوني الذي عانى من بطش النظام الإمامي نتيجة لمعارضته العلنية له قد حاول إنصافه؛ لأن الكاتب تجاوز المرحلة القديمة وقرر المضي في التحدث في شعره، وفي أبواب كثيرة من كتبه عن المشاكل القديمة والحديثة في عصر الجمهوريات الوليدة. لكنه أيضًا استمر في تدوين أحداث عصر الدولة الإمامية؛ لأن: "لا شيء يقضي على
.سلطة التاريخ مثل كثرة الكتابة عنه.." كما صرح البردوني نفسه في الكتاب

في كتابيه (فنون الأدب الشعبي في اليمن) و(الثقافة الشعبية: تجارب وأقاويل يمنية عام 1988) يسجل البردوني باقتدار التراث اللامادي للبلد: كالأغانٍ والقصص الشعبية والشخصيات الخيالية. والذي يجعل السجلين مهمين هو ندرة التسجيل التوثيقي للتراث اللامادي في اليمن. و إلى ذلك فالبردوني يتجاوز موضوع التوثيق إلى تحليل النصوص والنظر في تطورها و البحث في دلالاتها الاجتماعية وارتباطاتها بالأرض وبالبيئة والمرأة والكائنات الخرافية كالجرجوف والجن وما إلى ذلك. وبذلك فالبردوني يضع تحليله ضمن نطاق تاريخي فقه لغوي. ومثال على ذلك، تحليله لفظة إمام التي تدل على أزمنة وأمكنة قد تختلف عن لفظة سلطان. و من هنا، فاستخدام اللغة يختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر، وذكر حدث معيّن بأسلوب لغوي معين يجعلنا نفطن إلى أنَّ المادة التراثية الشعبية المدروسة قريبة العهد بذلك الحدث ولو بصورة نسبية. غير أنَّ البردوني، قد ينحني عامل الزمن في بعض تحليلاته لمصلحة عامل البيئته، فيلاحظ  مثلابخصوص الحكيم الزراعي الشعبي علي ولد زايد  أنه عابر للأزمنة ومتجاوز لعوائق
:الجغرافيا اليمنية. يقول البردوني

"إذا عرفنا أن علي ولد زايد هو كل الشعب اليمني، وأن زمانه كل الأزمنة، كما أن قريته هي كل قرية، لأنه عبّر بكل لهجات الكل، ولا يعبر بلهجات كل الشعب إلا كل الشعب، على أن الحكايات التي أنطقت علي ولد زايد هي
."بعض يوميات الناس

 

وفي كتابه (الثقافة والثورة في اليمن) (1991) يؤرخ البردوني - بذات التقنية - للعديد من الظواهر الثقافية الخاصة بالمجتمع اليمني منذ بداية خروج الدولة العثمانية من اليمن وحتى وقت صدور الكتاب، مبتدئًا بـ"تجارب الرعيل الأول" وخاتمًا بـ"النشيد الوطني"، وبين هذين الموضوعين مواضيع شتى تصب في خانة تسجيل الحركية الاجتماعية والتاريخية التي صاغت الثقافة اليمنية الحديثة. ومن ذلك حديثه عن الشخصيات التي ساهمت في تطوير الثقافة اليمنية المعاصرة وعن أوائل الصحف اليمنية مثل "الحكمة" وعن حادثة إغلاقها بسبب انعدام الحبر أثناء الحرب العالمية الثانية، ونضال صاحبها حتى اللحظة الأخيرة آملًا في استمرارها وموته المثير للجدل بعد فشله. ولا يفوت البردوني أن يبدي تصحيحاته التاريخية بخصوص بعض القضايا عن طريق نقد إحدى الروايات المعاصرة. ولا ينسى واقع الفن والفنانين في اليمن فيتطرق إلى هروب فنانات إلى مستعمرة عدن لتسجيل أغانيهن. كما يتطرق لشجرة القات وعادة تعاطيها في اليمن. و مع كل ذلك وفي غضونه يظل بروز أصوات الهامش موضوعا أثيرا في كتابه، فهو في هذا الكتا
.أيضا يعالج أغاني المساجين الجماعية

وبعد هذا العرض لمساهمة البردوني المميزة في الكتابة التاريخية، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الالتزام بذكر المراجع والالتزام بوضع الهوامش والصفحات هو المعيار الأهم في الحكم على محتوى كتاب ما أو قدرة مؤلف ما؟
:(ولندع الإجابة للبردوني نفسه الذي يقول في (قضايا يمنية

"صحيح لم أثقل أوراقي بالهوامش، ولكنني ضمنت الروايات وذكرت المراجع بالاسم في ثنايا البحوث، هذا من جهة، من جهة ثانية فأنا سجلّت أحداث عصري على مختلف عقوده، وهذا العصر أنا وأمثالي شهادة ميلاده وسجل وقائعه، فإذا لم أشر إلى مراجع أخرى فلأني وأمثالي مرجع المراجع.. لم يلمح الجاحظ إلى مرجع وكتبه
"..(اليوم أهم المراجع عن أدب عصره وثقافة جيله أو أجياله وأدبيات طائفته (المعتزلة

 

 Eclectic Yemeni رسومات توضيحية من قبل 

 Eclectic Yemeni رسومات توضيحية من قبل 

 

إن الكاتب يعتبر نفسه مؤرخًا ولديه تفسير لتلك الصفة.  وبهذا، يقوم الشاعر المشهور والكاتب المثير للجدل برصد التغيُّرات الاجتماعية الاعتيادية والهامشية وأطوارها وآثارها، ويجعلها مادته الأهم لتصحيح المفاهيم التاريخية. ونختم بمثال بسيط يوضِّح المقصود، فالبردوني مثلا في مقاله “أدبنا والتحول الاجتماعي"  يرجع التغيُّرات التي تناوبت
."على"المجتمع اليمني إلى حدث عادي يستحق النقاش وهو: "القراءة

 

­