المبادرات الطلابية في تعز: صور من الفاعلية الشبابية في مواجهة آلة الحرب والحصار

منذ اندلاع ثورة الشباب اليمني في العام 2011 وما تلاها من تطورات كبيرة في البلاد انعكس الوضع المضطرب والمتقلب على مدينة تعز الواقعة في الهضبة الوسطى من اليمن. فإلى جانب المشاكل الإدارية والبنيوية التي تعانيها المدينة منذ فترة طويلة كالنقص في قطاع الخدمات وغياب الدور التنموي للدولة وشحة المياه وتدهور قطاع النظافة، ازدادت حدة معاناة المواطن فيها بشكل كبير. وزاد الطين بلة دخول الحرب إلى المدينة في العام 2015 حيث
.فرض الحصار على المدينة، وتمددت المليشيات إلى حارات المدينة وقراها ومديرياتها لتقطع أوصالها الخدمية

و تعد مدينة  تعز المكتظة بالسكان من أكثر المحافظات التي تضررت جراء المعارك والحصار. وقد طال الضرر  فيها مختلف المرافق الحيوية الحكومية والخاصة. ونتيجة لتوقف رواتب موظفي الدولة أصبحت كثير من الأسر في حالة عوز وفقر مدقع. و في جانب القطاع الصحي الذي أصبح مثقلا بضحايا الحرب والأوبئة أصبحت المستشفيات والعيادات عاجزة عن تقديم المساعدة وخصوصا في الحالات الخطرة. ولأن المدينة من أكثر المدن اليمنية سكانا كما ألمحنا سابقا، فإن أعداد العاطلين عن العمل قد ارتفع بشكل هائل جدا. والمعروف أن البطالة  في تعز قد ارتبطت
.بإغلاق الكثير من الشركات والمؤسسات في القطاع العام أو الخاص في البلاد

ونتيجة لتلك الظروف القاسية أصبح كثير من المواطنين بحاجة إلى الطعام  وهنالك من أصبح بحاجة إلى الدواء والمأوى. و طبقا لمنظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، فإن 82 بالمائة من المواطنين في كل اليمن قد أضحوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية. وهذا عدد كبير جدا ويحتاج إلى تكاتف الجهود المحلية والدولية، وخصوصا إلى
.المبادرات الخلاقة من طرف الفئات القادرة على العطاء كالشباب ورجال الأعمال

  ومن هذه المبادرات  تلك التي يطلقها الطلاب الجامعيين في  مدينة تعز. وفي تلك الجهود الخيرة بصيص أمل
.لكثير من الأُسر التي لا يجد الكثير منها حتى قوت يومه

الصور بإذن من محمد القناص

الصور بإذن من محمد القناص

طلاب يخدمون المجتمع

بدأت واحدة من تلك المبادرات وهي ( أنت الخير) في العام 2011 ثم  ما لبثت أن توقفت بسبب  شحة الموارد المالية التي تصل من أهل الخير. غيرأن الأمر أصبح لا يحتمل مع دخول المدينة في زوبعة الحرب الأهلية الطاحنة في العام 2015 - ومن هنا حاول القائمون على المبادرة إحياءها بما توفر لهم من امكانيات

ويقول محمد القناص، رئيس المبادرة، إنهم في فريق (أنت الخير) لا ينتمون إلى أي حزب، وإنما يقومون بالعمل
.التطوعي من أجل خدمة الصالح العام في تعز في  واحدة من أكثر المراحل صعوبة في تاريخ المحافظة والبلاد كلها

وحول الأنشطة التي يقومون بها يذكرالقناص للمدنية أنهم نفذوا العديد من المشاريع. منها توزيع كراسي للأطفال المعاقين. كما قاموا بعمل مهرجان وحديقة خاصة بالأطفال النازحين. و وزع الفريق سلال غذائية للأسر الأشد احتياجا.كما ساهم الفريق في توزيع كسوة العيد. وعمل الفريق على تنفيذ مشروع (رقعة) لردم الحفر في الشوارع
.الرئيسية

وعن مصدر الدعم لمبادرتهم أوضح مسؤول فريق (أنت الخير) أنهم يعتمدون على مجهودهم الشخصي في تنفيذ تلك
.المشاريع إلى جانب مساعدة بعض فاعلي الخير لهم في الجانب المادي

الصور بإذن من محمد القناص

الصور بإذن من محمد القناص

تغطية مختلف الجوانب

أنس المنصري أحد طلاب كلية الآداب ، في قسم اللغة الفرنسية،  نفذ عقب اندلاع الحرب في تعز مبادرة (كن
.أنت) التي تركز بشكل أساسي على التدريب والتأهيل

ويُبيِّن للمدنية أن القائمين على المبادرة يقومون بتدريب الشباب وتأهيلهم في مختلِف المجالات، كالرياضة والصحة،
.إلى جانب تأهيلهم للاضطلاع ببعض الأنشطة المجتمعية

وأضاف المنصري "قمنا بتوزيع وجبات إفطار في شهر رمضان المبارك، وأقمنا دورات في مجال التنمية البشرية وفي
."الإسعافات الأولية، وأقمنا مهرجانات مختلفة، وكل ذلك بمجهود شخصي من المساهمين

في 2016 أطلقت نجلاء وليد مبادرة (بروفشنال ميديا الإعلامية)  ونفذت من خلالها مشاريع تدريبية في مجال
.الإعلام. و يعتمد فريق العمل، الذي يتكون من طلاب يدرسون بجامعة تعز، على جهودهم الشخصية

وقالت نجلاء التي ترأس الفريق " إن المبادرة تهدف إلى تكوين كادر إعلامي قوي قادر على نقل الأخبار بشكل جيد وبقوالب مختلفة. ومن هنا، يتلقى المستهدفون دورات تدريبية في مجالات مختلفة كالمونتاج، والفوتوشوب،
".والتصميم الجرافيكي وغيرذلك

 استمرار المعاناة دافعا للعمل

دفع وضع محافظة تعز الحالي الطالبة في قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة تعز رؤى المنيفي للتفكير في إطلاق
.(مبادرةتحمل اسم (مدينتي

المنيفي واحدة من عشرات الشباب في تعز الذين يفكرون بتغيير الواقع المتدهور في محافظتهم عبر تبنيهم لمبادرات تبدأ
.من الصفر. ويرغب هؤلاء الشباب في المساهمة في تخفيف الأضرار الناتجة عن الحرب

تذكر المنيفي للمدنية بأن الحملة التي تعتزم إطلاقها تهدف إلى إعادة الحياة والتفاؤل إلى أبناء تعز عبر تنفيذ حملات نظافة وتجميل للشوارع. سيتم في هذه الحملة زرع الأشجار، وتلوين الجدران،  ووضع رسومات جدارية عليها بعض
.الجمل التعبيرية

الصور بإذن من محمد القناص

الصور بإذن من محمد القناص

الدعم من أجل الاستمرار

كانت تلك المبادرات المتنفس الوحيد للذين استفادوا منها، فعقب ارتفاع أصوات الرصاص والقذائف في تعز غابت كثير من الجوانب الحياتية التي تساعد في الترويح على النفس. هذا إلى جانب حقيقة أن  ارتفاع نسبة الفقر  قد
.قضت على ما تبقى من سعادة في قلوب أبناء المحافظة

الناشط الشبابي وليد الجعور يرى أن هذه المبادرات جاءت في وقت المجتمع فيه بحاجة ماسة إلى جهود ترفعه من
.السقوط التام. فالحرب قد تسببت في توقف أغلب المنظمات العاملة في المجال الإنساني التطوعي

و قال الجعور أيضا للمدنية "إن الحماس والغيرة الشبابية لدى أبناء تعز قد ساهما في سد فجوة الاحتياجات الإنسانية في الكثير من الجوانب الإغاثية والطبية".  ومما يلفت النظر أن هذه الشدائد قد أبرزت بجلاء فاعلية الشباب اليمني وحيويته وروحه المتعاطفة وحضوره المؤثر في المشهد اليمني بشكل عام وفي تعز المنكوبة بالحصار والمعارك بشكل
.خاص

وأبرز ما يميز  المبادرات الشبابية –وفق الجعور- هو تنوعها وشمولها، و قدرتها على تجاوز الكثير من التحديات
.والصعوبات والمعوقات المادية

ودعا الجعور في ختام حديثه المؤسسات المختلفة والمنظمات الدولية والمحلية إلى المساهمة في تطويرتلك المبادرات  الشبابية الفردية ومأسستها ودعمها. و شدد على ضرورة تدريب القيادات الشبابية فيها بما يمكّن تلك المبادرات من التحول الى منظمات فاعلة على المدى الطويل وقادرة على العمل وفق المعايير القانونية والدولية. و هذا سيتيح لها أن
.تتحول إلى كيانات طوعية مستدامة تساهم في بناء المجتمع اليمني في جميع المجالات الضرورية