تحت ظلال القات والسيسبان

حين تجولت في أنحاء محافظة حضرموت عام 2010 متنقلا بين سيئون وتريم ودوعن وساه وشبام لاحظت انتشارا
!كثيفا لشجرة خضراء غريبة قيل لي إنها شجرة "السيسبان" التي اتضح لي فيما بعد أنها شجرة قاتلة

بعد ذلك لاحظت أثناء تنقلي في محافظات الجمهورية من عمران إلى ذمار والحديدة وعدن ولحج والضالع وغيرها انتشار هذه الشجرة على الطرقات وداخل المزارع. الغريب في أمر انتشار شجرة السيسبان هذه أنها شجرة غير ذات جدوى اقتصادية، فلا هي تنتج ثمارا يمكن بيعها في السوق، وثمارها  التي تحتوي على نسبة بروتين عالية لا يستفاد
.منها؛ لأنها غير مستساغة المذاق

.ومع ذلك لم أجد شجرة تنافس القات في  سعة أماكن انتشاره وتتفوق عليه في كثرته غير شجرة السيسبان

.ها هي تحتل مكان أشجار النخيل في وادي حضرموت والخضروات في المرتفعات والأودية والفواكه في تهامة

فإذا كنت لا تصدق أفلام الرعب التي تصور أشجارا ضخمة تطارد البشر وتهدد حياتهم فالسيسبان تقوم بذلك
.بطريقتها الخاصة

حين تنمو شجرة السيسبان بجانب أشجار أخرى ستلاحظ أن الأشجار المجاورة أقل اخضرارا وأقرب إلى اليباس، والسبب في ذلك قدرة السيسبان على مد جذورها لامتصاص المياه من أماكن أعمق، وإذا كانت المنطقة محدودة
.المياه فتواجد السيسبان يقتل الأشجار الأخرى

حاول المزارعون في حضرموت وقف انتشار هذه الشجرة لكنهم عجزوا أمام تكاثرها السريع. فهي تنمو في كل مكان، مزرعة كان أو طريقا صخريا أو هضبة قاحلة أو حديقة منزل صغيرة أو طريقا لمرور السيارات. وإذا اقتلعت شجرة واحدة منها، فإنك ستتفاجأ بأن عشرات الأشجار من نوعها نبتت مكانها. فهي تنتج عددا كبيرا من الجذور
.تنشرها في كل مكان كأنها تنتقم من محاولات اقتلاعها

 الصورة بإدن من رحمان طه

الصورة بإدن من رحمان طه

 تستطيع  إعادة  تكاثرها ببذرة واحدة أو بقايا جذر أو مما تبقى منها في روث الحيوانات التي تلتهم أوراقها. يستطيع السيسبان تدمير المساكن أيضا!فهو يتكاثر في مجاري السيول ويسدها مما يقذف بالسيول إلى أماكن التجمعات السكنية فيغرقها ويدمرها. حاولت الحكومة بدعم من المنظمات الدولية اقتلاع هذه الشجرة لكن ذلك كان مجهودا
.مكلفا جدا وفاشل فللسيسبان طرقها الجهنمية لإعادة التكاثر في كل الظروف

كيف دخلت شجرة السيسبان اليمن؟

 موطن الشجرة الأصلي هو أفريقيا الاستوائية ،ويقال إن مهندسا استعماريا مجهولا قرر استقدامها الى عدن لمقاومة زحف الرمال في جنوب اليمن. لكنهم عندما أدخلوها لم يدرسوا الظروف المناخية جيدا ولم يتنبهوا إلى أنها
.قد تزحف وتحتل كل المساحات الخضراء بسبب قدرتها الفائقة على التكاثر

.أوقفت السيسبان زحف الرمال لكنها زحفت على كل شيء آخر

.ارتباط دخول الشجرة لليمن بالاستعمار يضيف ظلالا سوداء على التاريخ الأسطوري للشجرة
يقال أيضا إن الغربان دخيلة على البيئة اليمنية. وإذا زرت عدن ستجد أن الغراب هو الطائر المسيطر على الأجواء لأنه يقتل كل ما عداه من الطيور الأخرى. تماما مثلما تفعل شجرة السيسبان ومثلما تفعل الشجرة الأخرى الشبيهة
.بها: شجرة القات

 الصورة بإدن من رحمان طه

الصورة بإدن من رحمان طه

القات هي الشجرة الأخرى القاتلة في اليمن. وهي مثل السيسبان جاءت من أفريقيا قبل 500 سنة، وإذا صدقت
.القصة التاريخية المتداولة فقد دخل القات  إلى اليمن عبر المتصوفة في عدن أو في تعز عبر المخا

لكن الفارق بين القات والسيسبان أن السيسبان ينتشر عشوائيا دون تدخل بشري، بينما يزحف القات على
.المساحات الزراعية التي كانت مزروعة بالبن والعنب والحبوب بتدخل بشري لا يلقي بالا إلا للمصلحة المادية

صار القات يتحكم في كل مفاصل حياة اليمني. فالقات لم يعد مخدرا فقط كما هو الحال في كينيا وأثيوبيا التي يتعاطاه بعض سكانهما أيضا، بل تحول إلى أسلوب حياة. فالقات يتحكم في الحياة اليومية لليمني التي تنتهي فعليا عند الساعة
.الواحدة ظهرا (موعد بدء تعاطي مخدر القات) ليستمر حتى الليل

كما يتحكم القات في الأعراس والمآتم وجلسات الأصدقاء والجلسات العائلية والجلسات الثقافية والمنتديات السياسية
.أيضا، فأشد القرارات السياسية حساسية تتخذ تحت تأثير هذه النبتة القاتلة

بل إن القات صار يتحكم في الثقافة اليمنية والمثقفين ويعيد تشكيل مفاهيم الثقافة وأشكالها تبعا لسطوته.  فقبل سنوات انتشرت في الوسط الثقافي اليمني بدعة " مسرح المقيل" (و المقيل هو المكان الذي يجتمع فيه المدمنون لتعاطي القات). وكانت الفكرة التي طرحها مثقف عراقي، كان ذلك الحين مقيما في اليمن، أن يعاد تشكيل المسرح
.ليقدم في مساحة ضيقة هي المساحة المتبقية في وسط المقيل لتقديم عروض مسرحية للمتعاطين

حظيت هذه التجربة بدعم رمز ثقافي كبير هو الدكتور عبد العزيز المقالح لكنها كانت ردة للثقافة والمجتمع معا. فبدلا من قيام المثقف بدوره المنشود في سحب المدمنين من مقايلهم المظلمة والمكتومة إلى المسارح العامة، نجح القات في سحب الثقافة إلى أجوائه الضيقة. وإذا عرفنا أن مقايل القات منفصلة ولا يمكن أن يجتمع الرجال والنساء فيها معا بسبب ضيق المكان وآثار المخدر، فقد استطاع القات أيضا حصر الثقافة في الرجال فقط واستبعاد
.النساء من كل نشاطات الثقافة

سيطر القات على منتديات الثقافة التي كان يديرها كبار المثقفين لأن تعاطي القات صار أبرز نشاطاتها، واستبعدت
.منتديات "الثقافة القاتية" النساء والشباب وكافة الرافضين لتعاطي مخدر القات

الأكثر من ذلك أن تعاطي القات صار شرطا للانتاج الأدبي، فلم يعد الشاعر أو الاديب، في غالب الأحيان، قادرا على الكتابة إلا بعد مضغ القات. ولعل هذا يفسر ظاهرة الظهور المفاجيء والاختفاء المفاجيء للأدباء في اليمن. فما إن يبزع نجم شاعر أو مسرحي أو روائي حتى يختفي فجأة بعد أن يقذف به التعاطي المستمر للقات في متاهة "عجز
."الانجاز

 الصورة بإدن من رحمان طه

الصورة بإدن من رحمان طه

كانت مشكلة القات حاضرة في كتابات رواد النهضة اليمنيين من محمد علي لقمان إلى الشيخ البيحاني إلى محمد محمود الزبيري. وكلهم ربطوا نهضة اليمن بالتخلص من وباء القات. لكن خطاب رفض القات ما لبث أن تلاشى من خطابات المتثقفين اللاحقين حتى اختفى تماما ليحل محله خطاب مناقض مؤيد للقات وصار مثقفو اليمن أبرز المروجين لاستمرار اليمنيين في تعاطي المخدر الوطني الذي يدمر الأرض والعقل والانسان ويستنزف المياه الجوفية
.ويزحف على المنتجات الزراعية الغذائية مهددا الأمن الغذائي للبلد

مجلة العربي هي أشهر مجلة ثقافية عربية صدر عددها الأول عام 1958، وكان لليمن حضور فيه عبر مقال للشهيد
!محمد محمود الزبيري حول القات

:كان عنوان المقال "الحاكم الأول في اليمن"، ومن أهم ما قاله الزبيري في المقال

وإذا كان الفرويديون يقولون إن الطاقة الجنسية هي التفسير الحق وراء كل سلوك إنساني، والماركسيون يقولون إن  الاقتصاد هو السر الكامن وراء التاريخ والحضارات، فإننا نحن اليمنيين نستطيع أن نقول إن شجرة القات هي
الحاكم والمتحكم في حياة الشعب العربي في اليمن، والمتحكم حتى في الاقتصاد وفي الطاقة والدوافع الجنسية. إنها
 نظرة واقعية تلتهم الفرويديين والماركسيين معاً. وإلى هنا، ربما كان كلامي عند غير اليمنيين يبدو كالألغاز.
...ولعله 
حق من حقوقنا نحن عرب اليمن أن نجذب اهتمام القراء لحظات معدودة إلى سرنا اليمني المستغلق

 لم يكن الزبيري مبالغا في حديثه، فلم أجد شبيها للقات إلا الهيروين في أفغانستان والأفيون في الصين قبل الثورة
الثقافية. لكن القات أخطر منهما لأنه ليس مخدرا فقط بل أسلوب حياة يحاصر اليمني المتعاطي منذ استيقاظه حتى نومه ويلاحقه في أحلامه ، بل ويحاصره في مماته بعد أن نجح في تحويل المآتم إلى مناسبات لتعاطي القات
.والسقوط في دوائر الخدر والغياب عن الوعي

.شجرتان غريبتان عن اليمن، صارتا تقتلان الأشجار والمزارع والانسان وتزحفان على كل المظاهر الايجابية والمبهجة
لا أريد الحديث عن السياسة في مجلة تهتم بالثقافة الصرفة. لكن كم يذكرني زحف القات والسيسبان بزحوفات
.أخرى خضراء وسوداء نشرت رايات الرعب والموت في هذا البلد الجميل