العقيق اليماني

 الصورة بإذن من رحمان طه

الصورة بإذن من رحمان طه

اشتهرت اليمن منذ القِدَم بتجارة العقيق والبخور، وبعض الأحجار الكريمة الأخرى مثل : الجزع،  واليشب. غير أنَّ  العقيق قد أخذ الشهرة الأوسع متصدراً شهرة بقية الطنافس الثمينة من البخور، والبن، والتوابل، والأحجار الكريمة " النفيسة " الأخرى. وقد وصل العقيق اليماني إلى أوروبا في وقت مبكر؛ إذ تذكر مؤلفات أرسطو (توفي سنة 322ق.م) أن أجود أنواع العقيق والجزع كانت تُجلب من اليمن. ويذكر كتابُ التيجان في ملوك حِمْير لوهب بن منبه( توفي سنة 728م) أن (شداد بن عامر) من قوم عاد بنى قصره من ( حجارة الجزع ). وتذكر كتب التاريخ أن الملك المظفر الصليحي عندما أصبح حاكماً على اليمن أرسل إلى حُلفائه الفاطميين هدايا كان من بينها سبعون سيفاً مقابضها من العقيق، واثنا عشرة  سكيناً نُصبها عقيق، وخمسة أثوابٍ وشُّيت بالعقيق، وعدد كبير من الفصوص . ويذكر أبو الحسن الهمداني ( توفي 945م) أن فن تشكيل واستخدام الجزع الموُشى والمُسيَّر قد وصل ذروته فعُمِلتْ منه القوارير والقحف ومقابض السيوف والصفائح،  وأن اليمن عَرفت  فن النقش على الأحجار الكريمة في وقت مبكِّر جدا إذ تفنن في صناعاته اليمنيون . وذكر الهمداني أيضا أن معادن العقيق بضروبه والجزع بألوانه، واليشب بجماله المميز، قد نالت شهرة كبيرة في فترة ازدهار الحضارة الإسلامية. ويذكر المؤرخ العراقي الدكتور جواد علي( توفي سنة 1987م) في كتابه ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) الخبرة اليمنية في استخلاص لبانة الأحجار الكريمة التي يستخرجونها من الجبال بقوله :

 " ولا يزال أهل اليمن يمارسون صقل الحجارة الكريمة التي يستخرجونها من بعض الجبال مستعملين في ذلك الماء والتراب الناعم على حجارة رملية ويصفَّونها بأشكال مختلفة،ويستعملونها في صنع الحلي، وهي ذوات ألوان متعددة : بيض وسود وخضر وزرق وصفر وحمر ، ومنها ما يجمع ألوان متمازجة ، ويعد جبل نقم وجبل الغراس ـ على مقربة من صنعاء ـ من أهم المواطن التي تستخرج منها مثل هذه الحجارة " ، كما يشير إلى مواطن أخرى بقوله " أن من المعادن الجزع والبقران والعقيق ، وهو في مواضع عديدة من اليمن الأبيض منه بعدن، وبعضه بأرض وادعة بين صعدة والحجاز وفي نجران ". والجزع واليشب هي فصائل أو أنواع من العقيق كما سيأتي، وقد فضله الفرس والروم على العقيق الهندي .

اسم العقيق وأنواعه   

اشتقت تسمية العقيق من عقَّ النخل أي أخرج ثمره، ولونه من ألوان ثمر النخل وهي : " الينع" أو الرُّماني وهو العقيق الأحم ، والأحمر الصفري رُطب وهو العقيق "الرُّطبي"، والمائل للسواد تمر العقيق "التمري"، وقد قال ابن الديبع شعراً :

*انظر إلى النخل وما أبرزت  : فروعها من دُرِّها والعقيق

ويسمى العقيق باللاتينية :(Carnis) ، ومعناها الثمر اليانع (Flesh) ومن اللاتينية أشتق تسمية :(Carnelian) باللغة الانجليزية ، ولعلها أخذت بالمشابهة عن التسمية العربية. ويذكر عالم المعادن أحمد بن يوسف التيفاشي ( توفي سنة 1253م) أن العقيق خمسة أنواع : أحمر ، ورطبي ، وأحمر للصفرة ، وأزرق ، وأبيض ، وأسود .   

أماكن وجود العقيق

تنتشر عروق أحجار العقيق في المناطق البركانية، وأشهر مواضع تعدينها في الماضي والحاضر جبل إلهان في آنس وملص غرب مدينة ذمار . كما توجد هذه الأحجار في المناطق المجاورة لصنعاء : خولان ، وجبل نقم ، وسعوان ، وأعشار. وقد ظهرت عروق منه في مناطق الحوبان ، والراهدة ، في محافظة تعز . وظهرت بعض ضروب الجزع في المناطق البركانية حول مدينتي عدن والمكلا .

خصائص العقيق 

 الصورة بإذن من رحمان طه

الصورة بإذن من رحمان طه

هو معدن شبه شفاف يتركب كيميائياً من سلكا خفية التبلور  chalcedony تحوي شوائب مركبات الحديد تصل إلى 30ـ35% في عقيق منطقة ملص . وتنطوي تحت تسمية الأحجار شبه الكريمة في اليمن ثلاثة أنواع تنتمي لمجموعة واحدة هي : الخلقيدون ، تنتمي لخواص كيميائية واحدة هي: العقيق، والجزع، واليشب. ويعتقد البعض أن للعقيق منافع طبية : فإذا دلكت به الأسنان أذهب عنها الصدى والحفر وبيَّضها، كما إنه يمنع خروج الدم من أصولها ، ويهدئ النفس عند الخصام ، ويمنع نزيف الدم كان في البدن خاصة النساء الآتي تطول لديهن مدة الطمث. وقيل إنه، أيضا، يقوي العيون والقلب.

مراحل استخلاص العقيق

يمر استخلاص العقيق من الصخور البركانية بعدة مراحل حتى يصل إلى وضوحه كجوهرة جميلة ذات ألوان وخطوط وأشكال بديعة. تبدأ هذا المراحل  باستخراجه من الأرض على النحو التالي :

يقوم مختصو التنقيب عن خام العقيق في المناطق المشار إليها سلفاً بتكسير الصخور، وتتبع خيوط وعروق العقيق في هذه الصخور، واستخراجه قطعاً صخرية منها كبيرة ومنها صغيرة . ويستخرج بطريقة بدائية يجري تتبع خاماته حتى عمق 8متر تقريباً ، باستخدام وسائل تقليدية أهمها الازمير والمطرقة.

تلي عملية استخراج خام العقيق عملية جلية وتكون على طريقتين الأولى تتخذ الخطوات التالية:

1ـ مرحلة المعالجة : ويتم فيها دفن الخامات بالرماد الحار لأيام معدودة وتسمى العملية بالرَّمد أو الإحماء، وتهدف إلى تحسين ألوان العقيق الباهتة والداكنة. ويشير أبو الحسن الهمداني في كتابه (الجوهرتين العتيقتين ) : إلى أن العقيق يكون أوله أدكن فإذا شوي بالنار والمَّلة ظهرت صفرته وحُمرته.

2ـ مرحلة التشكيل والتلميع : يتم في هذه المرحلة تشكيل الخامة وصقلها. وتستخدم لهذا الغرض أحجار الصقل والتلميع وتعرف في السوق المحلية بـ"المَجْربة" وهي حجر متوسط الخشونة و"الطبشورة " وهي الحجر الطباشيري الناعم. ويتم تثبيت الخامة على عصا قصيرة بمادة الصمغ العربي (الَّك) لكي يتمكن الصائغ من حكِّها على أحجار الصقل بسهولة ويُسر . ويؤكد خبراء العقيق أن هذه الطريقة التقليدية أكثر جودة من الطرق الحديثة التي تستخدم الآلات .

الطريقة الثانية وتستخدم الخطوات التالية :

1ـ مرحلة التنقية: وهي وضع خام العقيق في إنا فخاري أو معدني وتسمى " البُرْمة " وتغلق فوهة البرمة جيداً بعجينة من الطين .

2ـ توضع البرمة داخل تنور(فرن) حرارته خفيفة بعد إفراغه من الخبز. وتكون تنقية العقيق في هذه العملية أكثر من سابقتها.

3ـ التشذيب: وتأتي هذه المرحلة بعد الفرن أو بعد عملية التنقية وهي تشذيب الفصوص لتعطي الشكل الأولي. وتكون باستخدام مطرقة صغيرة خالية بالعقيق. يكون تشكيل الفصوص بحسب طلب السوق، فيتم استبعاد الأجزاء غير المرغوب فيها حتى يأخذ الفصَّ الشكل المطلوب في ذهن الحرفي .

 الصورة بإذن من رحمان طه

الصورة بإذن من رحمان طه

4ـ التلميع: لهذه المرحلة خطوتان:

أـ تلميع الفص بواسطة الجلخ "المسن الكهربائي" وهي طريقة حديثة أدخلت حديثاً. ويُلَمَّع الفص بواسطة حجر " المشوِّبة " بعد وضعه على عصا صغيرة بواسطة الصمغ العربي .

ب ـ التلميع النهائي أو الطسُّ: وهي عملية التلميع بواسطة حجر تسمى " المقرِّبة ". وهي تشبه المشوِّبة لكنها أكثر صلابة ونعومة ، وتتم هذه العملية بحك الفص بالحجر الطباشيري المقربة حتى يأخذ شكله النهائي.

وتكون الفصوص بتلك الطريقة والخطوات قد أخذت أشكالها وأحجامها المطلوبة لتأتي مرحلة استخدامها المتعدد. فهي تستخدم إما على الختوم الفضية والذهبية أو القلادات على صدور النسوة، أو مسابح في أيدي الناس، أو ميداليات يتهادى بها المحبون، أو تبقى فصوصا ذات قيمة مادية يحتفظ بها الناس في بيوتهم لللاستفاده منها عند الحاجة، أو بيعها بأسعارٍ ثمينة كالجنابي.         

والجدير ذكره أن العقيق اليماني لا يباع فقط في السوق المحلية، بل إن له سوقا رائجة في دول الجزيرة والخليج وغيرها. ومنذ عدة سنوات تعاني سوق العقيق في اليمن من شبه بوار نتيجة انقطاع أفواج السياحة، وضعف الحركة التجارية عامة، وانشغال الناس بتوفير الضروريات في ظل الحصار والحرب.