يمن ماقبل التاريخ: مستوطنات اليمن على ضفاف الأنهار والبحيرات | الجزء الثاني

 صياد من مجتمع الطوافين "صورة تخيلية". الصورة بإذن عبير الباردة

صياد من مجتمع الطوافين "صورة تخيلية". الصورة بإذن عبير الباردة

إن الاستيطان المبكر لليمن لغز يصعب حله. وتتجلى عقدته في تلك الفجوة الزمنية التي استيقظت فيها اليمن ذات يوم وهي فارغة من السكان. فما الذي حل بالمستوطنين الأوائل. و إذا كنا نعرف أنهم جاءوا من أفريقيا خلال العصر الحجري القديم قبل أن يختفي وجودودهم في العصر الحجري الوسيط، فإننا نقف حائرين أمام ما حدث في العصر الحجري الحديث, حين ظهر مستوطنون جدد أكثر تنظيماً و أوسع انتشارأً. هذه الحيرة العامة قد يحولها باحثون إلى تسآؤل خاص عن أولئك الصيادين الفنانين الذين وصلتنا آثارهم دون نعرف شيئا عن أسلافهم المباشرين.[i]

المساكن و المناخ

أظهرت المسوحات الميدانية اتباع أسلافنا لأشكال استيطان لا تختلف عن أشكال كانت معروفة في مناطق متعددة من العالم. ومع كثافة الغابات التي سادت اليمن في تلك الحقبة, إلا أن أجدادنا لم يكونوا من سكان الأدغال كما قد يعتقد البعض.[ii] لقد فضلوا العيش متنقلين في الوديان، والمروج، وعند مصبات الأنهار، وعلى ضفاف البحيرات، خلال معظم عصر الهولوسين، وهي المناطق التي كانت تحفل بنباتات وحيوانات تشابه تلك الموجودة في شرق أفريقيا. هنالك، كان الانسان يعيش في أربعة أنواع من المساكن: أولاالملاجئ الصخرية وكانت بمثابة البيوت الأساسية للمجموعات البشرية. ثانيا: الكهوف التي كانت تستخدم لرعاية الأطفال وتخزين الطعام, كما استخدمت كقاعات حفلات تمارس فيها طقوس سحرية.[iii] ثالثا: المخيم وهو مركز عمل مؤقت لفرق الصيد التي تخرج بحثاً عن الطعام،  وكان أيضا بمثابة محطة مراقبة تحرك الطرائد أو المجموعات البشرية الأخرى المعادية. و ينصب على مسافة معينة من موقع الملجأ الرئيسي من أجل حمايته. رابعا: المخبأ وهو مكان تخزين مؤقت, وفيه تخبئ المجموعات التي خرجت للصيد غنائمها، قبل العودة بها إلى الملجأ عند انتهاء رحلة الصيد.[iv]

طوال ثلاثة عصور حجرية  كان أجدادنا يختارون بناء مستوطنات دائمة في المناطق المعتدلة وذات المناخ شبه الاستوائي والتي يكون فيها معدل الغذاء ثابتا. أما في المناطق الحارة  والغابية، فقد كانوا يعيشون بدوا رحَّلا متنقلين. ففي تلك المناطق يندر الغذاء أو يتباين بحسب المواسم.[v]

مجتمع جامعي الثمار ومجتمع الطوَّافين                                                           

في البداية تشتت المغامرون القادمون من أفريقيا متعمقين في المراعي التهامية. وبدأت مجموعات منهم  بالزحف نحو مصبات الأودية التي تهبط من المرتفعات الجبلية؛  كوديان, ريمة, مور, سهام, سردد. حيث تتوفر المياه العذبة والبساتين الكثيفة والكثير من الحيونات التي يمكن صيدها  كالجاموس القديم والحمار الوحشي, هناك قاموا بجمع الثمار والصيد العشوائي. ونجد الأمر نفسه في الجوف حيث كانت المرتفعات اليمنية تصب أكبر أنهار اليمن على الاطلاق، وكذلك الأمر في المناطق القريبة من صحراء رملة السبعتين التي كانت في ذلك الوقت تتمتع بغطاء غابي كثيفلقد قاموا ببناء مستوطناتهم في المرتفعات وكذلك في المنخفضات الشرقية التي تم الكشف فيها عن وجود بشري يعود إلى عصر البلايستوسن, وذلك بعد مجهود مبكر قامت به عالمة الأثار البريطانية جيرترود كاتون تومبسون في العام  [vi](1938, 1953) . وقد عاشوا في ذلك الوقت ضمن مجتمعين متمايزين:

 مسكنان يعودان إلى العصر الحجري الحديث تم اكتشافهما بالقرب من رملة السبعتين تصوير   ماري-لويز إينزان

مسكنان يعودان إلى العصر الحجري الحديث تم اكتشافهما بالقرب من رملة السبعتين تصوير ماري-لويز إينزان

 مجتمع جامعي القوت: مارستْ هذا النظامَ مجموعاتٌ بشرية أكبر عددا. وكانت أكثر ميلا للاستقرار بفضل استراتجيات منظمة للحصول على الطعام وتخزينه. وقد اعتمدت تلك المجموعات في غذائها على جمع المكسرات والفواكه في  بساتين الأودية وصيد الطرائد الحيوانية في الغابات والمراعي. وفي أحيان نادرة  اعتمدت على موارد غذائية مائية. كان النمط المعيشي  المتعارف عليه لجامعي الثمار يأخذ صورة التجمعات البشرية الصغيرة التي كانت قد تكون "أسرية" مختبئة في ملاجئ وجروف جبلية, يخرج أبنائها  للصيد ليعودوا  بعد أيام حاملين معهم مجموعة من الفواكهه أو قد يخلقون أجواء سعيدة لأفراد الملجئ عادوا بجاموس أفريقي.[vii]

الطوّافون أو الصيادون: وهي مجموعات بشرية أكثر تشردا وأقل تنظيماً, فهي دائمة التنقل بحثًا عن الطعام. وكان على أفرادها أن يأكلوا كل شيء حي يجدونه, فهم لا يخزنون الطعام؛ وإنما يجمعونه بصورة يومية. وفي رملة السبعتين عمل الإنسان في العصر الحجري كصياد متجول كما تعتقد الباحثة ماري إينزان.[viii]  وخلال العصر الحجري الوسيط والقديم اعتاد البعض منهم على صيد البشر. وفي هذا الصدد هناك  العديد من الإكتشافات التي ازاحت النقاب عن مقابر جماعية لضحايا من البشر خلفها الصيادون عند استيطانهم للقارة الأوروبية.[ix]

العصر الحجري الوسيط: هروب أم انقراض جماعي؟

دون سابق إنذار ضربت اليمن  إبتداء من الألف 38 قبل الميلاد  موجة مناخ جاف وطويل استمر في التقلب حتى العام 12ألف قبل الميلاد. أصبح تساقط الأمطار نادر الحدوث فجفت البحيرات وتحولت السهوب الخضراء إلى كثبان رملية ونضبت ينابيع الأنهار وتلاشت الأحراش الغابية عن الجبال والغابات المطرية عن السهول,. ولهذا نجد اليوم  الكثير من العلماء يعتقدون بأن هذا المناخ القاسي دليل قاطع على عدم استيطان اليمن في عصور ما قبل التاريخ. لكن اليمن في الوقت الحالي تعيش في مناخ قد يكون أشد جفافا من ذلك الوقت، ومع ذلك فإن مناطق عدة في المرتفعات اليمنية مازالت إلى اليوم خضراء ومطيرة ومستوطنة من قبل حيوانات استوائية كقرود الرباح والنمر العربي. إن توقيت المناخ الجاف في العصر الحجري الوسيط يتزامن مع فجوة زمنية لا مؤشر فيها على وجود الانسان في اليمن, فأين اختفى سكان اليمن في تلك الفترة ؟.

العصر الحجري الحديث: فنانون استأنسوا الحيوان

جاء العصر الحجري الحديث وعاد المناخ الرطب مجدداً. وظهر في اليمن مستوطنون جدد اتخذوا من الملاجئ الصخرية القريبة من الأنهار والبحيرات مسكنا لهم, ومارسوا الصيد واستأنسوا الحيونات ورسموا على الصخر. وابتكروا أساليب حديثة في تشذيب الحجارة كالتشذيب المسطح عبر صناعة رؤس السهام ثلاثية الأوجه.

كان جامعو القوت في العصر الحجري الحديث أكثر تنوعًا وتنظيماً من أسلافهم في العصر الحجري القديم. لقد كان من شأنهم أنهم أنشأوا تسلسلا هرميا لصنع القرار داخل الجماعات، كما قاموا بتخزين فوائض الطعام, والمقايضة بها. ومن جهة أخرى مارس هؤلاء التجارة بالبضائع عبر مسافات طويلة, وكانت بضائعهم تحتوى انتاجات حجرية فاخرة كالزينة والصافرات والتحف الفنية.[x]  وقد ارتبطت المستوطنات اليمنية، بشكل أكبر، في تلك الفترة بالصيد. و هذا ما تم تأكيده من خلال  البقايا الحيوانية التي عثر عليها في المواقع المكتشفة . و إلى ذلك، احتوت الرسومات الصخرية المكتشفة تجسيدا لحيوانات- مثل الغزلان والمها والنعام والأسود وأنواع منقرضة منها كالجاموس القديم والثور البرييدل وجودها على مناخ رطب. و الجدير ذكره أن الصيد قد شمل الحمير التي  ازداد نشاط اصطيادها في سهل تهامة، في حوالي الألف السابع إلى الألف السادس قبل الميلاد.

في المرتفعات تم الكشف عن مستوطنات وسط الملاجئ التي كانت تحدُّ مجاري المياه القديمة. وذلك بفضل المسوحات والدراسات الاستقصائية التي قام بها السيد ميشيل غارسيا والدكتورة مديحة رشاد.[xi] كما تم اكتشاف فترتين بحيريتين على الأقل في صعدة، وفترة بحيرية في ضواحي منطقة رداع انتهت في 5400 سنة قبل الميلاد. إن كل هذه الاكتشافات  تؤكد على استيطان بشري مستمر في المرتفعات أثناء عصر الهولوسين .

 اتخذ سكان العصر الحجري من الجروف الجبلية مساكن لهم. "صورة تخيلية" لمجموعة تحاول ايقاد النار. الصورة بإذن عبير الباردة

اتخذ سكان العصر الحجري من الجروف الجبلية مساكن لهم. "صورة تخيلية" لمجموعة تحاول ايقاد النار. الصورة بإذن عبير الباردة

 وفي المنخفضات، أدى اكتشاف نهر الجوف- حضرموت القديم والامتدادات البحيرية القديمة في معرفة الاستيطان البشري القديم في مناطق الصحراء، والتي كانت قديما عبارة عن سهوب منخفضة تحد بحيرات الربع الخالي. وفي رملة السبعتين تم  العثور على بقايا من الأحجار المتراصة بشكل طقوسي بالقرب من الأماكن البحيرية القديمة. ورغم جفاف بحيرة رملة السبعيتن مع الألف السابع قبل الميلاد،فإن نهر الجوف- حضرموت لم ينضب كلياً كونه ينبع من مرتفعات اليمن التي حافضت على رطوبة شديدة في  الثلاثة ألف عام الأولى من حلول الجفاف [xii].ولعل استمرار النهر بالتدفق نحو المنخفضات الصحرواية لفترات لاحقة يفسر ظهور الممالك اليمنية القديمة (معين, سباء, قتبان, حضرموت) في منطقة الصحراء مع الألف الثالث قبل الميلاد. و في تهامة تم الكشف عن 126 موقعاً يعود إلى العصر الحجري الحديث. وهي مستوطنات تكدست فيها أكوام من الصناعة الحجرية, وأصداف بحرية تنتمي لأنوع من المحار لا تتكيف مع المناخ الحالي لليمن. وبشكل عام فقد توصلت خلاصة الاكتشافات إلى أن هذه المستوطنات كانت، على حد سواء، مساكن لجامعي القوت و للصيادين الذين استوطنوا تهامة في عصر الهولوسين ومارسوا صيد الأسماك البحرية وجمع الأصداف. وكذلك فإن اكتشاف كميات كبيرة من عظام الحمير في نفس المواقع يدل على مدى اتساع نشاط صيد الحمير في تهامة.[xiii]

ونختم هذه الجزئية بالإشارة إلى أنه لا يعرف بالتحديد زمن بداية الزراعة في اليمن؛ فالرسوم الصخرية لم تظهر أي دلالة مباشرة على ممارسة الزراعة في العصر الحجري الحديث. غير أنه يمكن القول إن بداية الزراعة قد تزامنت مع ظهور استئناس البقر والحمير في الالف السابع قبل الميلاد.وعلى كل حال، فقد حل العصر البرونزي واشتد جفاف المناخ مع الألفية الثانية قبل الميلاد.[xiv] في هذه الفترة لم يختفِ السكان, بل قاموا بتأسيس حضارات معقدة. في ظل ذلك التقدم سن إنسان ذلك الزمان القوانين، وصنع التماثيل البروزنية، وبنى المعابد والقصور المزخرفة التي نجدها اليوم تنتصب شامخة وسط الصحراء. هذه المنجزات الحضارية تسجل واحدا من فصول قصة التحدي والكفاح اللذين خاضهما أجدادنا في وجه الطبيعة.



[i] Madiha Rashad & Marie-Louise Inzan, The Art of Rock Paintings and Settlement of Yemen in Prehistoric Times, 2009, p. 140. 
[ii] Lewis R. Binford and others: Willow Smoke and Dogs' Tails: Hunter-Gatherer Settlement Systems and Archaeological site-published by: Society for American Archaeology-2008, p.13.
[iii] Jennifer Viegas, Music and Art Mixed in the Stone Age.A B C Science-2008.
[iv] Lewis R. Binford and others: Willow Smoke and Dogs' Tails: Hunter-Gatherer Settlement Systems and Archaeological Site-Published by: Society for American Archaeology, p.1-19.
[v] Lewis R. Binford and others: Willow Smoke and Dogs' Tails: Hunter-Gatherer Settlement Systems and Archaeological Site-Published by: Society for American Archaeology-2008 ,p. 14.
[vi] Remy Crassard, The Middle Paleolithic of Arabia: the View from the Hadramawt Region, Yemen,2010, Page 152 
[vii] Lewis R. Binford and others: Willow Smoke and Dogs' Tails: Hunter-Gatherer Settlement Systems and Archaeological Site-Published by: Society for American Archaeology, p. 1-19.
[viii] Madiha Rashad & Marie-Louise Inzan, (2009), op.cit, p.32
[ix] Lin Edwards - Evidence unearthed of possible mass cannibalism in Neolithic Europe -Phys.org science news 2009- see ( https://phys.org/news/2009-12-evidence-unearthed-mass-cannibalism-neolithic.html
[x] William K. Stevens- Life in the Stone Age: New findings point to. complex Societies- The New York Times-1998
[xi] Rémy Crassard & Lamya Khalidi, De la pré-Histoire à la Préhistoire au Yémen, 2008, p. 4.
[xii] Anne-Marie Lézine and others - Centennial to millennial‑scale variability) of the Indian monsoon during the early Holocene from a sediment, pollen and isotope record from the desert of Yemen, pp. 235–249.
[xiii] Ibid, p. 5
[xiv] Madiha Rashad & Marie-Louise,(2009), op.cit, p 25