أفيون اليمن

      كنتَ تراقب شجارهما باستمرار، ذلك الشجار الذي يصل حد التشابك بالأيدي، والقذف بالأواني، أو الضرب بالعصي، كنتَ تميل إلى أمك وتشفق عليها ويصل الأمر بك إلى كراهية والدك أحيانا، ربما لأنها الطرف الأضعف، وربما لأن الحق دائما معها، وربما لأنها هي الأكثر قربا منك، والأشد حبا لك، وربما لكل هذه الأشياء مجتمعة!.

      بكل مرة ينتزع أبوك شيئا من البيت، ويبيعه، ويعد باستبداله عند استلامه راتبه، ولكن لا شيء يخرج فيعود ثانية. بعد كل معركة بينهما، يخرج أبوك منتصرا، وتعود أمك لتبكي، وأنت من بعيد تنظر لهما، فاقد الحيلة، تدير رأسك بينهما محتارا.

 الصورة بإذن من أنور صبري

الصورة بإذن من أنور صبري

     حين كان يعود أبوك من السوق، ممسكا بحزمة "قاته " بيده، كانت الفرحة تلمع في عينيه، يمازح ويضحك، وكأنه انسان آخر، غير الذي غادركم من ساعتين فقط . هذه اللحظات السعيدة في حياة والدك، كنتَ تستغلها للتحدث معه، ففي أوقات أخرى يبدو من المستحيل نقاشه .

     - أبي، هل القات من المخدرات؟

     ابتسم أبوك قبل أن يقول :

      - ومن قال لك ؟

      - سمعت إمام المسجد، يقول أنه حرام، فهو مخدر، ومضر بالصحة ومهدر للمال والوقت .. و و.

      - لا تهتم له، هؤلاء متشددون ويجعلون كل شيء حرام وضرر ....

     أفسدتَ عليه بعضا من فرحته، ورأيتَ ابتسامته بدأت تضمر، وحينها ذهبتَ لإحضار غداءه قبل أن يعود لمزاجه السيء.

     في اليوم التالي رأيتَ أباك يفتح الزريبة، ليخرج منها خروف العيد، كانت أمك قريبة منه، وحين رأته أسرعت نحوه، فأمسكت برأسه وحاولت ببأس امرأة ريفية منعه، ولكنه دفعها ولكمها فابتعدت عنه، أخرج الخروف يجره، ثم وضع عمامته في رقبة الخروف وسار به إلى السوق.

      حين ذهبتَ لأمك كانت مطأطئة و تضع يديها على رأسها، دون أن تبكي هذه المرة، ولكن الأسى وضع علاماته الكئيبة في وجهها، قلت في نفسك، لعل دموعها قد نضبت من كثرة البكاء!.

 تصميم وليد الورد

تصميم وليد الورد

      كانت تمضي الأيام ببطء، وبيتكم يزداد بؤسا وفقرا، أما أبوك فمازال يتعاطى القات كل ليلة دون توقف، يكون في الصباح  سيء المزاج، يبحث عن ثمن القات، وبأي طريقة ممكنة يشتريه، وذات يوم حين كانت أمك ترعى المواشي قبيل الضحى، كانت أقدام أبيك تتسحب إلى المطبخ، ولم تكن لتنتبه إليه ، لولا تعثره بإناء، أحدث صوتا، ظننته كلبا دخل البيت، فكثيرا ما تدخل الكلاب حين يكون باب بيتكم مفتوحا، أو ربما قطا يبحث عن طعام... ذهبتَ مسرعا، فرأيت أباك يحمل أسطوانة الغاز على ظهره، وحين قلت له "إنها مازالت ممتلئة فلم يمض على شرائها سوى أيام"  لم يجبك، غير أنك لمحت في عينيه شررا، كانت تلك النظرة منه كفيلة بتجنبه، إلا أنك هذه المرة قررتَ أن تعترض طريقه، فأمسكتْ إحدى يديك بوسطه والأخرى تتطاول بها لتمسك اسطوانة الغاز، كنتَ مصمما على إنزالها، ولم يهمك تحذير أبيك لك، ولا ثورة غضبه، ولكنه آلمك كثيرا حين تلفظ وسبك وسب نفسه معك، ثم دفعك بيده لتهوي على جانبك الأيمن.  مضى دون أن يرد عليك، ولم تكن تنتظر منه ردا حينها، فالألم جعلك تصرخ بأقصى ما تملك من صوت، ذراعك حينها كان مهشما وملتويا تحتك.

      عاد حين سمع صراخك، هو يعلم أنك صبور جدا، ولن تصرخ إلا من ألم شديد، وضع الأسطوانة على الأرض، وتفقد ساعدك الصغير، الذي كان قد كسر حين دفعك وسقطت على أرضية المطبخ الصلبة.

 تصميم وليد الورد

تصميم وليد الورد

      حملك على  ظهره، وركض بك، كان رأسك منحنيا على رقبته ويدك اليسرى تمسك بياقة قميصه، هذا المنظر جميل لك، وربما كنتَ تتمناه من زمن، لكن الألم أفسده ولم يجعلك حتى لوهلة تفكر به.

      نادى جاركم الذي يملك سيارة صغيرة وقديمة، وانطلقوا بك إلى المستوصف، كان الألم شديدا جدا، وصراخك لم يتوقف حتى حقنوك بإبر مسكنة. أمك لم تستطع الانتظار حتى يأتوا بك، فلحقت بكم، وحين وضعوا الجبيرة على يدك، وسكن ألمك، نظرتَ إلى من حولك، كانت حلقة من وجوه الرجال والنساء، جاركم كان مبتسما، ويقول :"الحمد لله على السلامة، ما تشوف شر يا ولدي ".

     كلهم كانت أعينهم تحدق بك وتلتقي بعينيك، وحده أبوك كان يهرب من عينيك، ولأول مرة تراه يكسره ذنبه. وحين سمعهم يسألون كيف حصل ذلك؟، انسل من جانب سريرك الأيمن وانصرف يريد الخروج .

" الوالد، أتى إلي مسرعا حين انزلقت قدمي وسقطتُ على أرضية المطبخ الصلبة، فانكسرت ذراعي.."

      حين سمع أبوك كلامك أحجم عن الخروج، وأعاد وجهه إليك ودموعه تملأ عينيه، غير أنها لم تسقط حينها، كان لايزال لديه بعض القوة ليحتفظ بها حتى يختلي بنفسه، كنت متأكدا أنه سيفرغها لا محالة .

       مرت أسابيع على تلك الحادثة دون أن يتعاطى أبوك القات ولو لمرة واحدة، وحين سألته عن السبب؟

أجاب :"كي لا أكسر ذراعك مرة أخرى".