انهيار العملة و البطالة يقودان الرجل اليمني إلى الاكتئاب و العنف المنزلي

 

لفت نظري ما كتب على حساب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بموقع "تويتر" بأن "اليمنيين ينامون على وضع بائس، ويستيقظون على وضع أكثر بؤساً، مئ تدهور متسارع للعملة المحلية، مقابل العملات الأجنبية. وتحذيرات الأمم المتحدة من حدوث مجاعة ستصبح واقعاً تصعب السيطرة عليه".

ولكن مالم يلتفت إليه العالم وتشاهده الأمم المتحدة أن خلف المجاعة والموت والانهيار الاقتصادي، وألآم الجروح الجسدية وفقدان الأعضاء البشرية، يكمن الانهيار النفسي، والاكتئاب، والأمراض الذهانية، والصدمات النفسية الناتجة عن الحرب وويلاتها. الرجال، والأطفال، والنساء، يعيشون أسوأ وأحلك أيام حياتهم. جروح وصدمات نفسية يتلقونها يومياً ناتجة عن ضربات الصواريخ والقذائف، والاعتقالات، والتعذيب، التي تمزق الذهن، والجسد، والمشاعر، ومعها العلاقات الاجتماعية والأسرية.

مازالت المرأة تتحمل العبء الأكبر سواء في السلم أو في هذه الحرب التي طحنت البشر والبنية التحتية من مدارس ومستشفيات، ومصانع، ومنازل، وممتلكات...الخ.

 كانت كثيرات من النساء، قبل الحرب، يعانين نفسياً من الرجل (الزوج، والأخ، والأب، وربما الابن) أو أحد أفراد الأسرة الممتدة من المحارم المتحكمين في حياتهن وقراراتهن وخياراتهن- عانت النساء من اضطرابات نفسية مختلفة بسبب ذلك. وكن يتعرضن للعنف الجسدي عند عدم استجابتهن للأوامر الذكورية. ومن المفارقات الإنسانية العجيبة التي واجهتها كاستشارية نفسية في هذه الفترة، أن من هؤلاء النسوة من تعاني نفسياً، في ظل وضع الحرب، من غياب الرجل وفقدانه و تتمنى لو يعود إليها وتظل حبيسة قفصه خوفا من أن يعود إليها أشلاء، أو هيكل عظمي بلا حياة من شدة التعذيب، أو أن يصبح مجهول المصير لا تعرف عنه شيئاً بسبب قتل أو اعتقال.

 عمل المصمم وليد الورد

عمل المصمم وليد الورد

تجد المرأة اليمنية نفسها وحيدة في هذه الحياة في ظرف كان لا يجب أن تكون بمفردها فيه. حرب ومجاعة وأوبئة تفتك بأسرتها. وعليها أن تتحمل مسؤوليتهم وتوفر لهم الطعام والدواء لتبقيهم على قيد الحياة. و فوق هذا، يقع على عاتقها مسؤولية البحث عن رجل الأسرة الغائب؛ فعليها أن تسعى للبحث عنه في السجون، و أن تسعى للمنظمات الحقوقية، أو أن تجهد بحثاً عن وساطة تساعدها في استعادة الغائب. فمن أجل الرجل، الذي لم يسمح لها بالخروج بدون محرم يوماً، تخرج المرأة في  بحث طويلة لم تنته فصوله بعد عنه. وفي الوقت نفسه، قد تخرج بحثا عن عمل خارج جدران منزلها. وخلال هذا البحث تتعرض لضروب متنوعة من الإساءة، والاستغلال، والتحرش، والعنف، والإذلال، والمهانة.

وهناك، في الجهة المقابلة، نساء أخريات أثقلهن وجود رجالهن بالمنازل منذ بداية الحرب في 2015 حتى يومنا هذا. ومكوثهم في المنازل ناتج عن البطالة، والإفلاس المادي. تبحث هذه الفئة من النساء عن من يقدم لهن النصيحة، أو الاستشارة، أو العلاج لتغيير مزاج وسلوكيات أزواجهن تجاههن وتجاه أطفالهم. يغرق هؤلاء الرجال في التدخين، أو في تناول القات بشراهة، ويميل كثير منهم إلى الانطواء، والانعزال داخل غرفهم.  تنتاب بعضهم حالات العصبية الشديدة، والعنف الذى أصبح جزءاً من حياتهم اليومية.

 لا يمكن بسط تفاصيل المعاناة النفسية للمرأة اليمنية في هذه الزاوية الضيقة، ولكنى أخصص الحديث هنا عن ما تعانيه المرأة نفسياً كنتيجة لاضطراب الرجل. فمن الحالات العيادية التي أذكرها "أم خالد التي لديها ستة أطفال: زوجها مهندس مدني، فقد وظيفته بعد أن أغلقت الشركة الخاصة التي يعمل فيها أبوابها. طرق كل الأبواب بحثاً عن عمل ولكنه لم يجد أية فرصة. منذ العام 2015 أنفق كل مدخراته، وتدهورت حالته النفسية: أصيب باضطرابات النوم، والعصبية الشديدة، وأصبح يضرب أطفاله بعنف شديد، و ينال زوجته جانبا من غضبه وعنفه، مما أدى بابنه الأكبر إلى أن يترك المنزل هرباً، و هي حتى الآن لا تدرى شيئا عن مكانه. تقول عن زوجها : "أتمنى ربنا ياخذه ..أو يُعتقل ،أو يذهب للجبهة ". ولكن عندما يحدث ذلك وتتحقق أمنيتها ستجد نفسها في دوامة البحث عن الغائب.

تختلف أسماء الزوجات والأخوات والأمهات، ولكن شكاواهن واحدة؛ شكوى من الرجال (الزوج ، الأخ ، الأب ) الذين وقعوا ضحايا لصدمة الحرب، و ضحايا للانهيار الاقتصادي للبلاد الناتج عن الحرب، وفرض الحصار البحري والبري والجوي في بلد 90% من وارادته تأتي من خارج الحدود. وزاد الأمر سوءاً عجز الحكومة عن تسديد رواتب حوالي مليون موظف حكومي يعيلون في المتوسط أسرة مكونة من 7 أشخاص. صاحب هذا الظرف الصعب انهيار الريال أمام الدولار والارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية.

و لم يعد أمام 22 مليون من البشر غير الاعتماد على المساعدات الإغاثية.  وبحسب تصريحات الأمم المتحدة، فهي بحاجه إلى توفير حوالي 3 مليارات دولار لتنفيذ خطة الاستجابة الإنسانية لليمن عام 2018، لتستطيع مساعدة 80% من اليمنيين المتضررين. غير أن هذه المنظمات الإغاثية تواجه صعوبات كبيرة في تدفق السيولة المالية لليمن بسبب التزام البنوك بمعايير مكافحة تمويل الإرهاب. والكارثة الكبرى أن المغتربين اليمنيين الذين تعتمد أسرهم عليهم مالياً داخل اليمن لم يعد بمقدورهم إرسال حوالات مالية لأسرهم كما كانت الحال في الماضي. وهو الأمر الذي عرض أكثر من 13مليون من اليمنيين للمجاعة وستستمر الحال كذلك،  إن لم تنتهِ الحرب قريباً.

دخل الرجل اليمني الذي يعتبر العائل الوحيد لأسرته في حالة احباط واكتئاب شديدين، بعد فقدانه لعمله وعجزه عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية، وأقلها الوجبة اليومية التي تحافظ على حياتهم من سوء التغذية والموت. كما عجز عن توفير العلاج الضروري لأسرته عند إصابة أحد أفرادها بالمرض.

Violence_SECONDSHOT.jpg

لقد أحدثت الحرب خللا  اجتماعيا كبيرا، وصدمة نفسية عنيفة، مع شعور بالقهر والظلم والإحباط والعجز واليأس. أضحى الرجل عاجزا عن مواجهة مسؤوليات يوميه، ولم يعد بمقدوره توفير احتياجات كانت بسيطة قبل الحرب. و أمامه امرأة تذكره دوماً بعجزه، وضعفه، وقلة حيلته عن طريق حثها الدائم له للبحث عن فرصة عمل، أو تدبير ما يسد جوع أطفالها.

يومياً يشاهد اليمنيون أفراد عائلاتهم وجيرانهم وأصدقاءهم وأقاربهم يقتلون بالقصف الجوي وقذائف الميليشيات المسلحة، ويهانون، ويضربون، ويختطفون، ويعذبون، ويموت أطفالهم من الجوع والمرض. يصاحب ذلك انهيار في النظام الصحي في البلاد، وندرة خدمات الرعاية النفسية المقدمة. لقد أدى كل ذلك إلى تفاقم حالات الاكتئاب، والأمراض النفسية المختلفة، واضطرابات الشخصية، مع ما يرافق ذلك من تفاصيل اضطرابات صدمة الحرب.

وبرزت على السطح بشكل ملفت ومخيف جرائم اجتماعية وأسرية لم تكن موجودة من قبل لعل أبرزها انتشار العنف بكل أشكاله: كظاهرة اختطاف واغتصاب الأطفال والنساء وقتلهم، وتعذيب وتشويه الأطفال من قبل الآباء والأمهات وأقارب الطفل، وانتحار للآباء والأمهات بعد قتل جميع أطفالهم.

 و للأسف الشديد ليس لدى المؤسسات الصحية اليمنية القدرة على تقديم الرعاية النفسية، وهي، إلى ذلك، تفتقر إلى الكادر المتخصص في جانب الرعاية النفسية والعقلية. في يناير 2016م  أشارت منظمة الصحة العالمية إلى وجود 40 طبيباً نفسياً معظمهم متمركزون في العاصمة صنعاء. أما الأخصائيون النفسيون المدربون على تقديم الدعم والعلاج النفسيين فلا ذكر لهم. 

يعيش اليمنيون، ذكوراً وإناثاً، حالة انهيار نفسي حاد. وأغلبية سكان اليمن 75% الموجودون في الأرياف لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات النفسية؛ هذا إن وجدتْ. وحتى في حالة توفر العلاج النفسي، فللأسف مازالت وصمة المرض النفسي مسيطرة على معظم اليمنيين. وهو الأمر الذي يجعلهم يحجمون عن زيارة طبيب نفسي أو استشاري نفسي متخصص طلباً للمساعدة النفسية، إلا في حالات الأمراض الذهانية. ولكنهم قد يتقبلون طلب المساعدة من مقربين لهم، أو من خلال محاضرات توعويه تثقيفية قد تكون بمثابة بداية تدفعهم لطلب الدعم النفسي.

لذلك فمحاضرات الإسعافات النفسية الأولية، وتقديم الجلسات الإرشادية الأسرية الزواجية، وجلسات التفريغ الانفعالي، وورش إدارة الضغوط، وتعلم تقنيات مواجهة صدمة الحرب والضغوط الحياتية تعد في رأيي من أنجح الوسائل في هذا الصدد، وقد طبقتها خلال الفترة الماضية، وأثبتت نجاعتها في مساعدة الكثيرين في إحداث نوع من التوازن النفسي في حياتهم.

التحدي الأكبر الذي سيواجه اليمنيين وأية حكومة أو حكومات قادمة بعد انتهاء الحرب هي مساعدة المجتمع على التعافي من الآثار النفسية المدمرة للحرب وما صاحبها من انهيار اجتماعي، واقتصادي، وأسري. لذلك لابد أن تكون هناك خطة مستقبلية للدعم النفسي من فريق متخصص من الأطباء والأخصائيين النفسيين المدربين على التعامل مع الاضطرابات النفسية والعقلية الناتجة عن صدمة الحرب. و لا بد أن يصاحب ذلك التثقيف النفسي للمجتمع من أجل فتح الأبواب للمصابين باضطرابات الصدمة وما بعد الصدمة كي يتشجعوا على طلب المساعدة النفسية وتلقيها. وبذلك، نستطيع أن نسهم في الوقاية من عدم تفاقم صدمة الحرب حتى لا تتحول إلى أمراض نفسية وعقلية مزمنة، ورفد شوارع اليمن بمزيد من المرضى العقليين. إن من شأن ذلك، أيضا، أن يسهم  في حماية مَنْ وصل به الحال إلى المرض العقلي من التشرد، أو الموت، أو الانحباس داخل البيوت ودور الرعاية النفسية التي تفتقر إلى أبسط معايير الرعاية الصحية والنفسية.

د. كوكب الوادعي

استشارية بالصحة النفسية والإرشاد