التعليم في اليمن:  تلاميذ خارج المدارس ومدارس خارج الخدمة

 الصورة بإذن من أنور صبري

الصورة بإذن من أنور صبري

تعرّض قطاع التعليم في اليمن خلال السنوات الأربع الماضية لأضرار هائلة طالت بنيته التحتية ومخرجاته. وعلى الرغم من أن التعليم في العصر الحديث قد أضحى حقا من حقوق الإنسان الأساسية، فإنه غالباً ما يتعطل بسبب الصراعات والحروب، كما هي الحال في اليمن الذي يمر بمرحلة صراع لها تأثير سلبي على كل مناحي الحياة بعامة وليس التعليم فقط. وبحسب خطة الإستجابة الإنسانية للعام 2017 فإن مليوني طفل يمني فى سن التعليم خارج الدراسة. علاوة على وجود 1600 مدرسة غير صالحة للاستخدام نتيجة النزاعات. وارتفع هذا العدد خلال 2018 إلى ما يمثل 21%من المدارس مع أكثر من 4.1 مليون طفل بحاجة إلى المساعدة لمواصلة التعليم، وما يزال الوضع مؤهلا لمزيد من التدهور.

إن تأثيرات الحرب لا تنسحب فقط  على من هم خارج الدراسة، بل تشمل أيضا من هم داخل المنظومة التعليمية التي أصبحت جودتها تتداعى أمام تقليل الحصص الدراسية، و عدم قدرة المعلمين على مواصلة العملية التعليمية بسبب  انقطاع الرواتب، وضيق ذات اليد مقابل مسؤولياتهم الأسرية. واجه أكثر من 166 ألف مدرس صعوبات في تلقي رواتبهم منذ أكتوبر / تشرين الأول 2016 -. وهم يشكلون ما نسبته 73 % من إجمالي عدد المعلمين في اليمن. بالإضافة إلى محدودية توزيع الكتاب المدرسي. وهو الأمر الذي جعل العملية التعليمية سيئة على مستوى الجودة والكفاية والشمولية .

عمدت المنظمات الأممية والدولية والمحلية  إلى رفع مستويات الاستهداف فى هذا المجال فى العام 2018 في المحافظات التي تضررت بصورة أكبر . يأتي هذا استجابة لواقع صادم في هذا المجال؛ فمستوى الفقر في تنامي،  والمعلمات والمعلمون لا يزالون دون رواتب، بالإضافة إلى استهلاك الحرب لمخصصات التنمية ومن ضمنها التعليم. لقد  ارتفع عدد المدارس المتضررة الى ما يقارب الثلث، وهذه الأضرار قابلة للزيادة فى حال استمرت الحرب، وهذا ما يرفع سنويا من عدد المحتاجين للمساعدة فى العملية التعليمية.

 الصورة بإذن من أنور صبري

الصورة بإذن من أنور صبري

ويعتزم شركاء مجموعة التعليم فى اليمن وهم - مجموعة من وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية غير الحكومية، والمنظمات الوطنية غير الحكومية ،بالإضافة الى وزارة التربية والتعليم فى صنعاء وعدن، وكذا المديريات المحلية، ومجالس الإباء والأمهات، و اللجان المدرسية- يعتزمون  على الوصول الى أكثر من مليون طفل فى 2018 من أصل 4.1 مليون طفل. ويشمل هذا الاستهداف المعلمين، والآباء والأمهات، واللجان المدرسية، و الخدمات التعليمية فى حالة الطوارئ فى 21 محافظة يمنية. بالإضافة إلى إعادة تأهيل الغرف الصفية، وتوفير الأثاث المدرسي، واللوازم المدرسية، و الفصول الدراسية المؤقتة أو البديلة للأطفال، و تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمعلمين، والتخفيف من سؤ التغذية في أوساط الأطفال.

ومن أجل خدمة تعليمية جيدة فى مرحلة الحرب لا بد من أن يأخذ الشركاء الآنف ذكرهم بعض الأولويات والاستراتيجيات في الحسبان. أولا: رفع مستوى الشراكة مع المنظمات غير الحكومية، وخصوصا تلك التي تعمل مباشرة مع الجمهور فى المحافظات النائية والأرياف؛ وذلك من أجل تعظيم القدرة على الوصول الى الفئات المستهدفة. ثانياً: رفع مستوى الشراكة مع المجالس المحلية، ومكاتب التربية والتعليم، وصناع القرار، والعمل على بناء قدراتهم فى حماية الحق فى التعليم للأطفال ومناصرة قضاياه والمساهمة فى حل مشاكله الحالية المتعاظمة على اعتبار أن عدم الالتحاق بالتعليم أو التسرب منه فى المحافظات النائية والصغيرة أو الأرياف يزيد بكثير عما هو حاصل فى المدن الرئيسية. ثالثا: لا بد من التركيز على النوع الاجتماعي وحق الفتاة فى التعليم؛ وذلك أن هذه الفئة هي الأكثر تسربا من التعليم بحسب خطة الاستجابة الإنسانية للعام 2018  التي أرجعت ذلك إلى عدة  أسباب منها: الافتقار إلى الصرف الصحي والنظافة الصحية المخصصة للفتيات، كما أن  بعض العادات والتقاليد التي ما زالت مسيطرة على الكثير من المدن والأرياف لا تقدم الفرصة للفتيات للحصول على التعليم الثانوي والجامعي، بالإضافة إلى أن العديد من القرى والمدن النائية تفتقر إلى البنية التحتية القادرة على استيعاب الفتيات فى العملية التعليمية. رابعا: لابد من العمل على إعادة تأهيل مرافق المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية فى المدارس المستهدفة. خامسا: التركيز على حاجة فئات أخرى مهمة إلى التعليم كالفئات المهشمة والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

إن تفصيلات العملية التعليمية كثيرة، وأغلبها أو كلها تحتاج للدعم في ظل الفجوة الحاصلة فى دعم العملية الإنسانية ككل فى اليمن. فنحن نجد فى قطاع التعليم فجوة شاسعة ما بين الاحتياجات الفعلية و الدعم المتوفر لتغطيتها. على سبيل المثال، فإن عدد الأطفال المحتاجين للمساعدة لهذا العام، كما أسلفنا، هو 4.1 مليون منهم 2.8 مليون طفل من المحتاجين بشدة إلى الدعم فى مسيرتهم التعليمية. غير أن حجم المستفيدين من هذه البرامج لا يصل إلى 1.8 مليون طفل فقط.

 الصورة بإذن من أنور صبري

الصورة بإذن من أنور صبري

 حددت الشبكة المشاركة لوكالات التعليم فى الطوارئ INEE مجموعة من المعايير الخاصة بالجهوزية والاستجابة والتعافي بعض المعايير العامة:  كحق الحصول على التعليم فى الطوارئ، و أهمية سير عملية التعليم فى كل مكان، وضرورة دعم المعلمين، وكذا المشاركة المجتمعية، وتحديد الموارد، وتفعيل آليات التنسيق، وتقويم العملية التعليمية والاستجابة الفعالة والمراقبة والتقييم. غي أن من الضروري، أيضا، إلى جانب ذلك،  أن يتم التركيز على بعض المعايير الخاصة: كمصادر التعلم، وكذا الوصول المتكافئ إلى التعليم، والحماية، والرفاهية، والمرافق، والخدمات، والمناهج، والتدريب، وتنمية طرق التدريس، وتقويم العملية التعليمية، وكذا معايير التوظيف والاختيار، وظروف العمل، والإشراف، و التقيد بسياسات وقوانين التعليم.

إن الوصول الى تقديم خدمة تعليمية شاملة وذات جودة يمكن أن يتم من خلال تحليل الوضع القائم والمعلومات المتوفرة. ومن ثم تخطيط وتصميم إستراتيجية استجابة فعالة تغطي الاحتياجات، وتتماشى مع رغبات المجتمع، ويكون لها حساسية عالية للصراع والجوانب  النفسية والاجتماعية للأطفال، بما في ذلك الطفولة المبكرة والمراهقون والشباب والنوع الإجتماعي .

إن هذه المعايير وغيرها من المعايير المتعلقة بالقطاعات الإنسانية في مجال  التعليم تقصد إلى توفير خدمة تعليمية جيدة وشاملة خلال الطوارئ. وهذا الأمر يحتاج إلى أضعاف الدعم والجهد الموجهين إلى التعليم فى اليمن في الظروف العادية. ما يقدم حتى الآن يغطي فقط المستهدفين من ذوى الحاجة الملحة، ويقدم فقط الموارد الأساسية لاستمرار عملية التعليم، ولا يحقق الكثير من المعايير التي تنظم شمولية وجودة العمل فى التعليم فى مرحلة الطوارئ الإنسانية. وبالتالي، فإن المخرجات فى هذا القطاع ستكون هزيلة، وغير مؤثرة فى إنهاء الصراع فى اليمن على المدى الطويل، بل ربما قد تكون أداة من أدوات الصراع، ناهيك عن أن يكون لها فاعلية في رفع معدل التنمية في بلد يعاني غالبية سكانه من الفقر المدقع.

إن التعليم قطاع مهم وحيوي ولا بد من إيلائه أهمية كبيرة و أولوية في العمل. فهو يقدم فرصاً مهمة لتنمية الطفولة المبكرة، ويساعد على حفظ الحياة، وصون كرامة الإنسان، وتقليل الأثر النفسي والاجتماعي للصراعات. والتعليم سبيل النضج والرشد الإنسانيين، و هو بذلك يسهم فى الاستقرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي، و في خلق ثقافة التسامح والعيش المشترك ، وحماية حقوق الإنسان، وحماية البيئة، والوقاية من الكوارث.