الحرب في اليمن تدفع المرأة نحو العالم الرقمي

 

أغلقت الحرب في اليمن كثيرا من الأبواب في وجوه اليمنيين منذ اندلاعها نهاية العام 2014م. لكن ذلك لم يمنع النساء من البحث عن فرص أخرى من أجل الحياة بكرامة في بلاد تتراجع يوما بعد آخر إلى الوراء، نتيجة استمرار المعارك فيها. وطبقا لمنظمة الصحة العالمية فقد بلغ عدد المحتاجين لمساعدات إنسانية أكثر من %82 من سكان اليمن. وبلغت البطالة في هذا البلد المنكوب بسبب الأزمات المتتالية ٪85

عبر التجارة الالكترونية فتحت النساء نافذة أمل لأسرهن التي ضاق بها الحال بعد إغلاق العديد من مؤسسات القطاع الخاص والعام، وعدم انتظام تسليم رواتب موظفي الدولة البالغ عددهم قرابة مليون ومائتي ألف موظف. اتجهت كثيرات من النساء للعمل في مجال التجارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأبرزها الواتس أب والفيسبوك؛ المنصتين الالكترونيتين اللتين تعدان من أكثر التطبيقات استخداما في اليمن. وبات بإمكان المرأة التي لا تحمل مؤهلات علمية كبيرة أن تعمل. وهو الأمر الذي ينطبق على النساء  اللاتي لا يسمح لهن أهاليهن بالعمل خارج المنزل لأسباب كثيرة منها الموروث الثقافي والفكري لدى المجتمع اليمني القائم على مفاهيم الشرف والعيب، أو بسبب
.الأوضاع الخطيرة كانعدام الأمن والقصف العشوائي الذي يطال بعض المحافظات

وتتنوع المنتجات التي تقوم بعرضها تلك النساء وبيعها بين المواد التجميلية والملابس والأحذية والحقائب ومنتجات الأشغال اليدوية  والحلويات و الأدوات المنزلية والعطورات. ويتجه الرجال لمجالات تجارية أخرى كالسيارات
.والأسلحة والعقارات

تحسين دخل الأسرة

فاطمة العريقي مندوبة مبيعات، ولديها مجموعة (منتجات الزهرة الزرقاء) والتي تبيع فيها منتجات التجميل المختلفة والتخسيس. وقد أنشأتها فاطمة في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، بغرض تحسين دخل أسرتها وتوفير متطلباتها في
.ظل الحالة الاقتصادية الصعبة التي تعيشيها معظم الأسر اليمنية

 الصورة بإذن من نيرفانا عبدول

الصورة بإذن من نيرفانا عبدول

عند سؤالنا فاطمة عن ما إذا كانت لديها القدرة على استخدام الواتس أب بشكل جيد قبل بدء العمل، قالت إنها
.كانت تجيد استخدامه من قبل، ولم يُشكل ذلك عائقا كبيرا أمامها

وذكرت أنها تقوم بشراء المنتجات، ثم تعمل على إيصالها إلى الزبائن في مختلف المحافظات بعد أخذ عربون. ويتم بعد استلام الزبون للمنتج إرسال المبلغ المتبقي. لكنها تواجه منافسة قوية للغاية وذلك بسبب وجود العديد من المجموعات
.التجارية على الواتس أب

أما عن ثقة الزبائن بالمنتجات التي تقدمها، فأكدت أن النساء في البداية يتخوفن من المنتج، لكن ما إن يجربن المنتج حتى تتوطد الثقة والعلاقة بها وبمنتجاتها. وذلك على عكس النساء اللاتي لم يستخدمن المنتج ، فهذه الفئة ليست
.لديها الثقة ولذلك لا تتجرأ على طلب المنتجات

إصرار وتحدي

في أوائل ديسمبر/كانون الأول الفائت، وبعد متابعتها لمجموعات تجارية عبر الواتس أب، قررت حنان المعمري، أن
.تتواصل مع مندوبي شركة (Vanllia Sweet)، لتكون مندوبة لهم بتعز وسط اليمن

تروي لنا حنان أن الاتفاق تم بسهولة. وباشرت العمل من فورها مع تلك الشركة وكانت سعيدة بذلك؛ لأنها عثرت على فرصة عمل في ظل الوضع الصعب الذي تعيشه اليمن.  وتتفق حنان مع فاطمة حول أن المنافسة كبيرة جدا. والسبب يعود إلى أن بعض المندوبات لديهن الكثير من المضافين في مجموعاتهن، ويحرصن على تسجيل أعلى رقم من
.الأعضاء بغرض كسب مبالغ مالية أكبر أو هدايا أكثر من الشركة

قصة أم هشام علي التي لديها 4 أطفال تتشابه مع القصص السابقة. فدافع تلك النسوة للعمل هو كسب بعض النقود لتخفيف معاناة أسرهن. أم هشام هي مندوبة لدى منتجات (DXN) المتخصصة بالمكملات الغذائية. أنشأت في نوفمبر/تشرين الثاني مجموعة طريقنا لحياة صحية، وبدأت العمل فيها. وتسعى إلى توفير حياة كريمة لها ولأبنائها في ظل
.عدم انتظام راتب زوجها  الذي يعمل معلما

تقوم أم هشام بالترويج لمنتجات تلك الشركة وشرح مزاياها للمضافين في المجموعة. تستطيع  المشتركات شراء المنتج إما عن طريقها شخصيا أو عن طريق التوجه لفرع الشركة في المحافظة التي يعشن فيها. وتعطيهن اسمها ورقمها الذي تحصل عليه من الشركة ليتم تسجيل نقطة لصالحها، ومنحها مكافأة بعد مضي بعض الوقت. وقد تكون تلك المكافأة
.إما مالية أو عينية؛ أي بضائع من منتجات الشركة التي يمكنها بعد ذلك أن تبيعها لصالحها

غير أن تقلب الأسعار في اليمن وعدم استقرار سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأخرى قد أدى إلى تزايد مخاوف هؤلاء النسوة. فارتفاع الأسعار جعل نسبة الإقبال على شراء المنتجات ضئيلا. وذلك بدوره يتسبب في حدوث خسائر لدى التجار؛ إذ يتم شراء المنتج بأسعار مرتفعة ثم تهبط العملة بشكل مفاجئ. و تجدر الإشارة إلى
.أن سعر صرف الدولار الواحد قد بلغ منذ نهاية العام 2017 أكثر من 500 ريالا يمنيا

إقبال ومخاوف

وفيما تبدو التجارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي رائجة بشكل جيد في اليمن وتعود على البعض بأرباح طائلة، فإن المشتري يظل رهين المخاوف. وهذا ما تؤكده أريج عبدالله التي قالت إنها لا تفكر بالشراء عبر مجموعات الواتس أب لعدم معرفتها بالبائع من جهة،  وعدم قدرتها على لمس البضاعة ومعاينتها لمعرفة جودتها من عدمها، من جهة أخرى. إضافة إلى عدم وجود ثقة كبيرة بين طرفي المعاملة. هذا إلى جانب غلاء الأسعار في بعض الحالات برغم أن بعض
.المنتجات لا تتميز بجودة عالية

وهو ما لا تتفق معه يسرى محمد التي بيَّنت أن الشراء عبر مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي قد جعل الحياة أسهل. فبعض المنتجات لا توجد في المحافظة التي تعيش فيها ويتم إيصالها إليها بسهولة. لكنها أيضا ذكرت أنها وبرغم شرائها عدة مرات من تلك المجموعات، فإنها ذات مرة فوجئت من تردي جودة عشب التخسيس الذي اشترته. وقد قررت عدم استخدامه. وهو الأمر الذي تكرر معها كذلك حين قامت بشراء فستان كان يبدو في الصورة جذابا، لكنها بعد استلامه وجدت قماشه سيئا ويختلف عن ما كانت تتوقع. وتشكو –كذلك- من عدم قدرتها على تصفح
.مختلف المنتجات المعروضة بسبب بطء الإنترنت في ظل  ظروف الحرب

طريق صعبة

برغم انتشار مجموعات البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الكثير من الصعوبات تواجه العاملين في هذا الحقل
.في بلد يأتي غالبا في ذيل قائمة دول العالم

بدأ استخدام الإنترنت في اليمن عام 1996 غير أن هذه الخدمة ما تزال أسعارها مرتفعة والسرعة كذلك بطيئة. فضلا عن تعرض كابلات الألياف الضوئية لأعمال تخريبية عديدة بلغت في 2012 (180) عملا تخريبا. وهو الأمر
.الذي يؤدي إلى انقطاع خدمة الإنترنت عن السكان لبعض الوقت

 الصورة بإذن من نيرفانا عبدول

الصورة بإذن من نيرفانا عبدول

وفي الوقت الذي بلغ عدد الأشخاص الذين يتمتعون بخدمة الإنترنت 3.2 مليار نهاية العام 2015، فإن عدد مستخدمي الإنترنت في اليمن خلال العام 2015 حوالي 6 ملايين مستخدما مقارنة بخمسة عشر ألف مستخدم في عام 2000م
.بنسبة تبلغ قرابة 25% من إجمالي السكان البالغ عددهم 26 مليون نسمة

وتفيد دراسات حديثة أن عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وأشهرها موقع الفيس بوك وصل في اليمن إلى أكثر من مليون وسبعمائة ألف مستخدم، بنسبة تجاوزت 28% من مستخدمي الإنترنت في اليمن بحسب الإحصائية التي أعدتها وكالة يمن ايكون للتسويق الرقمي. وحصلت المرأة على نسبة 14% من عدد مستخدمي الفيس بوك في
.اليمن 

وجاء تطبيق الواتس آب كأكثر تطبيق تواصل اجتماعي انتشارا بين مستخدمي الإنترنت في اليمن، يليه تطبيق الإنستجرام وتطبيق weChat فيما جاء تطبيق التيليجرام في المركز الأخير. وبحسب الدراسة، فإن 10% من عينة الدراسة يستخدمون الإنترنت ومواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي أقل من ساعة يومياُ، بينما يستخدمها 33%  من ساعة إلى ساعتين يومياً، و يستخدمها 54% من 3 ساعات إلى 6 ساعات يومياً، و يستخدمها 3% أكثر من 6ساعات
.يومياً

ولا تمتلك كثير من الأسر اليمنية  شبكة إنترنت داخل المنزل بسبب وضعها المادي. و قد يرجع ذلك إلى منظومة الضوابط الاجتماعية التي ينظر فيها إلى هذه الوسائل بوصفها سبلا لاهدار الوقت ولإفساد الفتيان والفتيات. وهو ما
.أدى إلى انتشار مقاهي الإنترنت العامة بشكل كبير والتي تجني مبالغ مالية كبيرة نظرا لعدد مستخدميها

 

ساحة أخرى للتجارة

موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، الذي يعد من أكثر المواقع استخداما في اليمن، كان أيضا ساحة أخرى للتجارة. فقد استخدمته النساء اليمنيات لبيع منتجات خاصة يقمن بصنعها يدويا من الصوف أو قد يعمدن إلى الكتابة على بعض الإكسسوارات وزركشتها ثم بيعها. وقد يستخدمن الفيس بوك للترويج لمحلات تجارية يملكنها أو لبعض
.الشركات التي يعملن مندوبات لها

وفي الغالب لا يكون عدد المضافين في مجموعات الواتس أب كبيرا فقد لا يتجاوز 500 عضوا. بعكس الفيس بوك الذي يتزايد فيه أعضاء المجموعة باستمرار. ويعود ذلك بحسب استطلاعنا لآراء مجموعة من النساء، إلى خوف بعض النساء من انتشار أرقامهن ومضايقتهن من قِبل بعض الشباب. أما في الفيس بوك فيقمن غالبا بإنشاء حسابات بأسماء
.وهمية، و بذلك لا يتعرضن كثيرا للمضايقة

في مجموعة (أزياء روعة) التي تديرها فتاة بحساب يعرف باسم (موج البحر) ويبلغ عدد أعضائها قرابة 4890 عضوا. تقوم تلك الفتاة بعرض المنتجات التي تقدمها بأشكال متعددة. ومنها ثيمات حسب الطلب؛ أي الكتابة على الأكواب، وبيع الكيك والجاتو(المعجنات المختلفة)، وتنظيم الأعراس وتزيين مكان الاحتفال. كما تقوم ببيع بيع الفساتين
.والإكسسوارات، وأدوات التجميل. ولديها أيضا كوافير تقدم من خلاله عدة خدمات

وهناك قصص نجاح في هذا المجال خاصة الكوافير التي تتوافد إليها النساء بكثرة بعد قراءة الإعلانات و وصول الاشعارات عبر منصات التواصل الاجتماعي. وبعدها يتم الحجز المسبق. وتقدم في محلات الكوافير تلك خدمات
.تجميل مثل العناية بالأظافر أو الحصول على قصات شعر مميزة وحديثة غالبا لا تتوفر في باقي الصالونات المعروفة

إرادة وأمل

هناك نساء أخريات يفكرن بجدية في خوض التجربة وتعلم طريقة استخدام الواتس أب وتكوين صداقات كبيرة
.للاستفادة منها في فتح مشاريعهن الخاصة

تسنيم محمد أم لأربعة أطفال ضاعفت الحياة الصعبة في ظل الحرب من معاناتهم. ولم يعد راتب زوجها الذي يعمل
.في القطاع الخاص كافيا بسبب ارتفاع الأسعار جراء تدهور الريال اليمني أمام العملات الأخرى بشكل مستمر

رأت تسنيم أن الحياة باتت صعبة للغاية وقررت أن تستثمر شغفها في صنع الحلويات لمصلحة العائلة. فتحت مجموعة عبر الواتس اب للبيع. تخشى تنسيم من انقطاع خدمة الإنترنت في تعز وهو الأمر الذي تكرر مرارا في المدينة. وترجع هذه الانقطاعات لنفاد الوقود المخصص للمولدات الكهربائية، أو قطع خدمة الإنترنت لأسباب سياسة
.فرضتها الحرب، أو حظر المواقع والتطبيقات الذي تتعرض له من وقت لآخر

وذكرت لنا تنسيم  أنها بدأت في تعلم طريقة تزيين الكيك بشكل احترافي. وقد قامت بإدخال خط إنترنت إلى منزل عائلتها. و استطاعت شراء فرن و كذلك الأدوات الأخرى اللازمة لبدء العمل. تأمل تنسيم أن يساعدها ذلك في تحسين دخل أسرتها وتعليم ابنها الأكبر في مدرسة جيدة. ومن أجل هذه الغاية تتدرب تنسيم كل يوم. و وفقا
.لتنسيم، فإن الأمل لا يزال قائما في خلق واقع أفضل من الواقع الذي تعيشه مدينتها تعز واليمن بصورة عامة