الاذاعات المجتمعية في حضرموت

رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الاتصال، فإن الاذاعة لا تزال تحتفظ بمكانتها في مخاطبة مختلف طبقات المجتمع في الحضر والريف.

وفي محافظة حضرموت أكبر محافظات اليمن شهدت الأعوام الأخيرة افتتاح العديد من المحطات الإذاعية بمبادرات ذاتية لمؤسسات وأفراد، وأصبح الهواء الإذاعي متعددا وبهذا كسر هيمنة الصوت الواحد الذي كانت تسيطر عليه وسائل إعلام الحكومة.

غير أن إذاعتي الحكومة الرسميتين في حضرموت "المكلا" و "سيئون" قد حافظتا على موقعهما بين جمهور المستمعين مستندتين إلى تاريخهما ومساحة تغطية بثهما الإذاعي. وقد استطاعت إذاعة المكلا الحكومية أن تستعيد مكانتها بعد أن مرت بمرحلة عصيبة وفترة مظلمة لإسكات صوتها إبان سيطرة التنظيمات الإرهابية المتطرفة على مدينة المكلا في الثاني من أبريل عام 2015م حيث تم نهب محتويات مبناها وحرقه بالكامل. وسارعت السلطة التنفيذية بعد تحرير المدينة في 24 أبريل من العام التالي 2016م إلى تجهيز الإذاعة وتشغيلها لملء الفراغ الذي أحدثه غياب هذه الإذاعة الحكومية طوال عام كامل.

 الصورة بإذن من فارس عبدالله بن  سليم

الصورة بإذن من فارس عبدالله بن  سليم

في الآونة الأخيرة شهدت حضرموت انطلاق بث بعض الإذاعات المجتمعية (أف أم) غير الرسمية التي تمتاز باستقلاليتها وتنوع برامجها. لهذه الاذاعات طابع مختلف عن الإذاعات الحكومية من حيث المحتوى وطريقة التقديم.  في ساحل حضرموت وواديها برزت عدد من الاذاعات التي صارت معروفة لدى السكان ومنها: سلامتك، الأمل، رؤية ، حلم، الشحر، نما، الماهر، نهضة.

ومن الأسباب التي أدت إلى ظهور الاذاعات المجتمعية التطور الحاصل في ثورة الإعلام والاتصال المتسارعة التي وفرت الأجهزة الرخيصة نسبيا. كما أن الدولة لم تعد تحتكر الإعلام السمعي كالسابق بل سمحت بإعطاء تراخيص لإنشاء إذاعات مجتمعية. وقد جاء ذلك من واقع إدراك الحكومة للمتغييرات التي أخذت تتوالى في كل الجوانب الحياتية وخاصة في مناخ التعبير والحريات منذ العام 2011م. وهذا الأمر قد أتاح للاذاعات المجتمعية الظهور والمنافسة وأن تسهم بدور كبير في عملية التنوير والتأثير بتنوع وتعدد الموضوعات الإعلامية التي يتم تناولها ومعالجتها.

  إن ذلك التنوع الإذاعي يساهم في خلق حراك مجتمعي ديمقراطي. وقد حرمت حضرموت- كما غيرها من مدن اليمن وقراها- من هذا الفضاء التعبيري المفتوح طيلة فترات متلاحقة. أما اليوم فالفضاء الإذاعي في حضرموت يشهد تنوعا في الأصوات الإذاعية التي تبتكر أساليب حديثة في طرح القضايا بجرأة غير معتادة في فترة الأنظمة الشمولية السابقة.

 تتنافس الإذاعات على تقديم البرامج العلمية والثقافية والسياسية والترفيهية. وهي تستهدف شرائح معينة في المجتمع من أجل إبراز قضية ما أو تشكيل رأي ووعي حولها أو تغيير سلوك أو تحذير من المخاطر ومحاربة الظواهر السيئة. وهنالك البرامج الرياضية التي تهتم بأخبار الرياضة سواء أكانت البطولات العالمية أو البطولات المحلية. وتخصص هذه الإذاعات مساحة كبيرة  للتحليل حول تلك البطولات من أجل رفد الجماهير بالتفاصيل. و إلى ذلك هنالك البرامج السياسية التي تناقش شؤون البلد ضمن برامج مسجلة أو على الهواء مباشرة دون قيود.

إن ظهور الإذاعات بهذا الشكل المتعدد قد صنع مضمار منافسة  في تقديم وإعداد البرامج الإذاعية بما يتناسب مع الذائقة السمعية للجمهور المحلي. والملاحظ أن هنالك مساحة كبيرة للبث المباشر في خارطة مختلف الاذاعات. وذلك أن للبث المباشر تأثيرا وصدى عند الناس. كما أن فيه فرصة لإحداث زيادة في ساعات التشغيل البرامجي وتوسعة مجال البث الاذاعي وإيصال صوت تلك الإذاعات و برامجها إلى قاعدة مستمعين أوسع في المدن والبوادي.

ويعد راديو "سلامتك FM" أول الاذاعات في مجال الإعلام المجتمعي المستقل في حضرموت. انطلق بث سلامتك بمدينة المكلا في العاشر من يوليو 2013م. وبزغ نجمها كأول إذاعة تهتم بشؤون الصحة في حضرموت واليمن عامة. وقد أُطلق هذا المنبر الإعلامي من قبل مؤسسة حضرموت لمكافحة السرطان "أمل".

وهناك راديو "الأمل FM" الذي يمطر مستمعيه بالبرامج المتنوعة على مدار 24 ساعة يوميا. وهي بذلك أول إذاعة اجتماعية في حضرموت تتبع نظام البث المتواصل. وانطلق بثها التجريبي في فبراير 2017م.

وثمة تجربة إذاعية ناجحة تمثلها إذاعة "نهضة FM" التي ينطلق بثها من وادي حضرموت مديرية تريم. تأسست نهضة في أكتوبر 2012م وبدأ بثها الرسمي في الرابع من أبريل 2014م. يعمل في الاذاعة نخبة من الشباب الإعلامي من ذوي الخبرة والكفاءة من خريجي كليات الإعلام. ويستمر بثها يوميا 16 ساعة بصورة متواصلة.

 الصورة بإذن من فارس عبدالله بن  سليم

الصورة بإذن من فارس عبدالله بن  سليم

و حفز هذا التطور القطاعات والمؤسسات على الإقدام على تأسيس إذاعات خاصة بها. فقد أنشئت إذاعة تابعة لمؤسسة علمية هي جامعة حضرموت وأطلقت موجة بثها التجريبي في 30 يوليو عام 2017م. وهي بذلك أول إذاعة جامعية على مستوي الجامعات في عموم الوطن. وتغطي أنشطة الجامعة والفعاليات الطلابية مساهمة في إبراز المواهب والقدرات لطلاب قسم الصحافة والإعلام بكلية الآداب بالجامعة. كما أنها بمثابة موقع تدريبي وتطبيقي لهؤلاء الطلاب بما يسهم في الرفع من قدراتهم المهنية والإبداعية.


في فبراير من هذا العام افتتح محافظ حضرموت اللواء فرج سالمين البحسني استوديوهات إذاعة المستقبل التابعة لمكتب وزارة التربية والتعليم بساحل حضرموت كأول إذاعة تربوية في الجمهورية اليمنية والتي ستنطلق قريبا فور الانتهاء من تجهيزات بثها. وقد حدد أهداف و رسالة الإذاعة في تعزيز القيم التربوية والتعليمية وتسليط الضوء على التاريخ التربوي والتعليمي في حضرموت والتعريف برسالة المعلم ومكانته في المجتمع وبث الوعي التعليمي. كما أنها ستساهم في نشر المعلومات التعليمية والمنهاج الدراسية بين أوساط الطلاب وستسعى إلى تقديم وإبراز الموهوبين والمبدعين.

غير أن هذا الزخم الإذاعي في حضرموت لا يخلو من المشاكل والصعوبات وخصوصا في الجوانب التقنية. فأستوديوهات بعض الإذاعات لازالت بدائية. وفي الغالب من مساحة غرفة واحدة يمتلكها الفريق الإذاعي ينطلق بث جميع البرامج على الراديو. بالإضافة إلى أن هذه الإذاعات ليس لديها موارد ولا مبانٍ خاصة بها.

ويرى أستاذ الإذاعة والتلفزيون خالد سعيد مدرك : " أن الصعوبات تكمن في عدم وجود التمويل المالي وعدم وجود الخبير المشرف في هذه الإذاعات". و يعتبر جانب الدعم المالي أهم المعوقات التي تقف أمام استمرارية البث وتطوير الإذاعة لمواكبة التكنولوجيا العالمية.

 الصورة بإذن من فارس عبدالله بن  سليم

الصورة بإذن من فارس عبدالله بن  سليم

ويضيف مدير إذاعة "سلامتك" صلاح أحمد العماري  " أن محدودية الإرسال الإذاعي لهذه الإذاعات لا تجعلها تصل إلى مديريات أخرى وبالتالي لا تصل الرسالة الإعلامية إلى أكبر عدد من المستمعين. و إلى جانب ذلك يعد نقص التأهيل والتدريب وعدم تفرغ الإعلاميين لهذه الإذاعات بسبب شحة الإمكانيات المادية من العوائق الكبيرة".

وتعد الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي من المعوقات التي تواجه عمل بعض الإذاعات، فهذه الانقطاعات تؤثر على عدم انتظام وصول البث الإذاعي إلى جمهور المستمعين.

وعن انطباعات المتابعين لهذه الاذاعات في حضرموت يرى الغالب منهم أنها تمثل مصدر تلقٍ للمعلومات المختلفة كما أن الخارطة البرامجية لمعظم الاذاعات المجتمعية شاملة في موضوعاتها وملبية للحاجة المعرفية لدى جمهورها.

محمد علي سائق باص نقل عام في المكلا يقول  " أستمع إلى الإذاعة أثناء عملي لكي أطّلع على الأخبار وأعرف ما يجري في البلد لأني لا أستطيع استخدام أجهزة الهاتف الحديثة ولا يوجد لدي وقت كافٍ للجلوس أمام التلفاز. أستمتع كثيرا ببرامج محددة في بعض الإذاعات التي أهتم بمتابعتها، كما أن الركاب يستحسنون الاستماع إلى الإذاعة".

وتقول أم عوض ربة بيت  "أستمع إلى برامج المسابقات والتي يشارك فيها الكثير من المواطنين من أنحاء مدينة المكلا. كما أني أحب البرامج التي فيها لقاءت بشخصيات لها تأثير في المجتمع".