برلين في عينيَّ

 كانت تلك المرة الأولى التي أزور فيها أوروبا، لكن برد نوفمبر البرليني رحب بي كصديق عزيز قديم. بدأت إقامتي الفنية مع  ديوان الفن
.بعد رحلة طويلة استمرت ٢٠ يومًا منذ لحظة مغادرة اليمن مرورا بمرحلة الانتظار والحصول على التأشيرة في بيروت

أولها كانت رحلة على حافلة لمدة ٢٠ ساعة داخل أراضي اليمن؛ كل ذلك الوقت كان فقط كي أصل إلى المطار. تم تقييدنا نحن اليمنيين من الوصول إلى مطارات الدول المجاورة، التي يمكننا من خلالها السفر إلى بقية أنحاء العالم؛ هذا في حال كنا محظوظين في الحصول على تأشيرات السفر. عرقلت هذه الرحلة المطولة العديد من نقاط التفتيش الأمنية، والإستجوابات في المطار، والأمتعة المفقودة - والثقة المفقودة
.بالعالم

 بدون عنوان من سلسلة التشوش ، ٢٠١٧ | الصورة بإذن من حنان اسحاق

بدون عنوان من سلسلة التشوش ، ٢٠١٧ | الصورة بإذن من حنان اسحاق

حين تعرفت على الثقافة المضادة في برلين وميلها إلى ما هو متمرد ومبتكر، وجدت نفسي في تقارب مع المدينة المتحررة. كان المشهد الفني المعاصر مختلفًا تمامًا عن ما عرفت في السابق؛ إنه خام ومنفتح وغير مقيد، وقد منحني هذا حافزا لاستكشاف هويتي الحقيقية وأن أصبح أكثر جرأة في أعمالي الفنية وفي حياتي الشخصية. كوني قادمة من بلد يغرق في الصراع، حيث تجد صعوبة في الحياة اليومية وفي تلبية الاحتياجات الأساسية بما في ذلك الشعور بالأمان، كنت مترددة في البداية في أن أجد راحتي في الإستقرار، ولكن انتهى الأمر بشعوري وكأنني في بيتي. رغم أنه لم يمر يوم دون شعوري بالقلق تجاه أسرتي في اليمن، والإتصال بهلع بمجرد سماع
.الأخبار من اليمن، فقد منحتني هذه الفرصة امتيازا في الشعور بالسلام والأمان والهروب من واقع فرض عليَّ

قبل سفري إلى برلين، كان قد مضى ما يقارب عامين على إنتاجي لعمل فني، وكنت حينها في حالة انغلاق إبداعي. هناك لحظة أتذكرها، على وجه الخصوص،  عندما كنت على متن قطار في اليوم الثاني من وصولي ساعتها بدأ ذهني يموج بالصور والموسيقى الخلفية
.سرعان ما ألهمتني هذه اللحظة فقمت بإلتقاط صور ذاتية في قطار متحرك كرمز لرحلتي

أثناء إقامتي قمت بزيارة العديد من المتاحف في برلين. ومنها المتحف القديم ألتيس ومتحف بيرغامون والمتحف الوطني القديم والمتحف الوطني الجديد. تمكنت أيضا من السفر إلى أمستردام والإنغماس في المشهد الفني والمتاحف هناك. في بعض الأحيان كنت أمشي في البرد و أتوقف لمشاهدة الفرق الموسيقية التي تعزف في الشوارع حتى أفقد الشعور بيدي. مارست أيضا رحلات القطار الطويلة لزيارة معرض أو فعالية. كنت  أتحدث مع الآخرين و أقابل بعض الفنانين. وقد أتناول فنجانا ساخنا من القهوة وأشاهد الحياة اليومية. كل هذه الأمور كانت مصدر إلهام عظيم لي. كما أن توسيع شبكة علاقاتي وتكوين صداقات جديدة في المدينة فتح عيني على فرص لم أكن أظن
.أنها ممكنة لفتاة تحمل إحدى أضعف جوازات السفر في العالم

لم أدرك أنني قد فقدت الرغبة في أشياء كثيرة حتى وجدت نفسي في رفقة الفن في مدينة مثل برلين بتاريخها وشعبها وفنها والجرافيتي المنتشر في كل مكان منها. وجدت نفسي أتأمل كثيرا وأضع خططًا جديدة لمستقبلي بعد عودتي إلى اليمن. وهنا يطيب لي أن أشكر إيبي إبراهيم على إتاحته لي هذه الفرصة ولدعمه المتفاني للفنانين اليمنيين وعطائه لليمن من خلال (ديوان الفن) الذي أثر في حياتي بطرق
.عديدة

اختتمت الإقامة بفعالية ويوم مفتوح في مؤسسة فريدريش إيبرت، المنظمة الداعمة لمشروع الإقامة الفنية. لقد استمتعت بعرض ومناقشة
.أعمالي مع أشخاص من خلفيات وثقافات مختلفة. كان ذلك رائعا بالنسبة لي، وأتطلع إلى زيارة برلين مرة أخرى قريبا

حنان إسحاق مصورة مفاهيمية مقيمة في صنعاء. عُرضت أعمالها في ديسمبر ٢٠١٧ في مؤسسة فريدريش إيبرت في برلين بعد مشاركتها في إقامة ديوان الفن الفنية لمدة شهر في برلين.  أما (ديوان الفن) فمبادرة فنية وبرنامج للإقامة
.الفنية  أسست لتعزيز الفن المعاصر والسينما  والموسيقى في اليمن