برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر: سد الفجوة في اليمن

اليمن هو موطن إحدى أقدم الحضارات في العالم، غير أنه  اليوم يصنف ضمن أفقر الدول في الشرق الأوسط. و تزداد ضراوة التحديات.المحدقة بالبلاد عبر دائرة لا منتهية من العنف ومن الظروف السياسية  التي تدفعها نحو حافة الانهيار

السلع اليومية آخذة في الاختفاء من الأسواق و الأسعار متجهة نحو الارتفاع بشكل كبير بعد تعرض الموانئ للتهديد المستمر وتوقف العديد منها عن العمل نهائياً. ونتيجة لذلك أصبحت إمكانية استيراد الغذاء والدواء شبه مستحيلة. وكون اليمن بلدا يعتمد على الواردات لتغطية الاحتياجات الأساسية، فقد أدى ذلك إلى شلل اقتصادي تام. في ظل هذه الظروف تبرز الحاجة إلى صوت يبعث الأمل والتغيير ويساهم في تخفيف المعاناة ومداواة الجراح.

 الصورة بإذن من برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر

الصورة بإذن من برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر

وهنا يأتي دور المنظمات الإنسانية في الاسهام في تخفيف المعاناة من خلال تقديم المساعدات. هذا مع الآخذ في الحسبان أن إبقاء البلاد تحت رحمة المساعدات ليس سوى حل مؤقت أملته الضرورات. إن تقديم المساعدة إلى جانب التنمية هي الإستجابة الحقيقية التي تحاول العديد من المنظمات تحقيقها.

تأسست وحدة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر  في عام ٢٠٠٥، كوحدة تابعة للصندوق الإجتماعي للتنمية في اليمن. يركز عملها في المقام الأول على التنمية الاقتصادية، وخصوصا في  مجال تنمية القطاع الخاص. يهدف البرنامج إلى خلق المزيد من فرص العمل والفرص الإقتصادية من خلال زيادة عدد المستفيدين والتركيز على المشاريع التنموية. في بلد مزقته الصراعات، يعد الإبداع في تطبيق الاستراتيجيات أمراً أساسياً للمساعدة في تحقيق الأهداف الرئيسية لبرنامج تنمية المنشآت الصغيرة و الأصغر في اليمن. ومن خلال تبني نهج له توجه نحو السوق، تمكن البرنامج من الغوص في عمق المجتمع و التدخل من أجل بناء وتيسير القدرات الاقتصادية والتقنية لدفع السوق وإنعاش القطاع الخاص. هذا؛ علاوة على أن البرنامج  قد دأب على العمل مع الشركاء المحليين والمانحين الدوليين في الآن نفسه من أجل تسهيل التواصل بين الجهتين. وقد أثبت البرنامج، بذلك، أن السعي إلى تحقيق التنمية والدمج بين المشاريع الإنمائية والإنسانية ممكن وفاعل على أرض الواقع.

إذا أردت أن تعمل من أجل تحقيق مهمة ما، فمن الضروري أن يكون لديك الفريق المناسب، فالعمل الجماعي مهم للمساعدة في عملية التفاهم والتعاون. غير أنه ليس من السهل إنشاء فريق يعمل بشكل متماسك نحو الأهداف المشتركة. إن تمكين المجتمعات المحلية وإعطاءها صوتًا وتسليط الضوء على احتياجاتها هي مهام رئيسية تتطلب فرقًا عميقة الإطلاع و متينة البنية. تقول فرح الوزير، في وصف السمات الأساسية لأعضاء الفريق، ”جميع أعضاء فريق برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر يؤمنون بثلاثة مباديء أساسية: النزاهة، و انضباط السلوك، وجودة الشخصية“. التركيز على التنمية والتغيير الإيجابي وعدم الإنشغال في قضايا جانبية ساعد على توحيد الفرق للعمل من أجل الأهداف المشتركة. وتضيف فرح، ”يعمل كل موظف في مجاله الخاص، ولكننا نعمل معا على تحقيق الهدف ذاته“. ليس من السهل خلق الأمل و إدامته لدى المجتمعات المحلية أو لدى الفرق العاملة في البرنامج لتحسين ظروفهم المعيشية. غير أن بناء بيئة تعاونية والحفاظ على استدامتها هي إحدى المهام الرئيسية للفريق الناجح. مثل هذه البيئة تعزز الحوار والمناقشة داخل الفريق وتساعد على تشكيل رؤية الفريق، كما أنها ضرورية للأداء الانتاجي لدى الفريق.

 الصورة بإذن من برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر

الصورة بإذن من برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر

التدريب، والتمكين، والدعم هي أسس عمل برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر في إنجاز مشاريعه. التدريب يساعد الأفراد على اكتساب المهارات والمعرفة المناسبة، وتمكين الأفراد والمجتمعات يتيح لهم أن يكونوا جزءا من عملية حل المشكلات وصنع القرار؛ أما الدعم  فيساعد على تأمين المنح والأدوات اللازمة لبدء المشاريع التي يمكن الحفاظ عليها كي تتحقق التنمية المستدامة.

تتطلب النتائج الحيوية والمستدامة جهودًا متوازية من الجهات الفاعلة الإنسانية والإنمائية. وتشير الخبرة على أرض الواقع إلى أنه غالباً ما تكون هناك حاجة إلى التنمية والدعم الإنساني في وقت واحد، وخاصة في الأزمات المعقدة والممتدة.  يشترط أن تكون هذه الجهود شاملة ومتكاملة، ولكن لا ينبغي الخلط بين الجهود الإنسانية والإنمائية. ويجب إرساء العمل الإنساني الأساسي والضروري عندما تكون البلدان في أزمة وبحاجة ماسة وطارئة. و ينبغي على الفاعلين في مجال التنمية أيضًا الإنضمام والمشاركة، في مرحلة مبكرة وبصورة مستمرة، مع الجهات الفاعلة في المجال الإنساني،  وذلك من أجل سد الفجوة الإنسانية والتنموية حتى تزول الأزمات في أقرب وقت ويخف تأثيرها في حال تكررت.

الأمن الغذائي و ضرورة ترافق العمل الإنساني مع التنمية:

واحدة من الفئات الاجتماعية التي تأثرت بشكل كبير من الصراع الدائر في اليمن هي فئة المزارعين. فقد أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى إعاقة الحياة الزراعية، مما دفع المزارعين إلى البحث عن وظائف أخرى لإعالة أسرهم. تحولت الواحات الزراعية الخضراء إلى ارض قاحلة؛ أو قلْ إلى صحراء لا أمل يرجى منها. يراى المزارعون الأرض تتصلب أمام أعينهم وهم مكتوفو الأيدي مدركين أن الأرض  لا تعطي إلا من اعتنى بها.

مع استمرار الحرب في جميع أنحاء البلاد، أصبح من الصعب الحصول على المساعدات والموارد بطرق آمنة. تتشكل الطوابير يوميا من أجل الحصول على الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والوقود والماء. لا يمكن إصدار بيان لإعلان الرابح في هذا الصراع، ولكن  الخاسر الأكبر في هذه الأزمة معروف جدا. وفقاً للأمم المتحدة، فإن ٧٥٪ من السكان في حاجة ماسة إلى المساعدة، وهناك ثمانية ملايين على حافة المجاعة.

يقول وسام قائد، المدير التنفيذي لبرنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، موضحًا كيف يتم قياس النجاح داخل البرنامج، ”عند قياس مؤشرات الاستدامة، نركز على ما يسمى ’التأثير المضاعف‘؛ أي عدد المزارعين المستفيدين من آثار الدعم، مقابل كل مزارع مستفيد من الدعم بشكل مباشر. وهذا مؤشر مهم لأنه يثبت عمليا "إستيعاب السوق" لجهود التنمية بطريقة مستدامة. لقد قمنا حتى الآن بتقديم الدعم لحوالي ٤،٠٠٠ مزارع، في حين أن عدد المزارعين الذين تأثروا بهذا الدعم يتجاوز ١٢،٠٠٠ مزارع، مما يظهر اسيتعابا وإستدامة كبيرين في السوق."

يتطلب حجم وطبيعة حالات الطوارئ الإنسانية اليوم مزيجًا من الحلول القصيرة والطويلة الأجل. ففي الوقت الذي توفر فيه المساعدات الإنسانية  التخفيف الفوري من معاناة لأشخاص الذين هم في حاجة ماسة للتدخل الإنساني، تعمل التنمية على تقديم حلول طويلة الأجل للمشاكل الأساسية. كلاهما- أي المساعدات الإنسانية والتنمية- يعملان معاً للحد من المعاناة الإنسانية، وهذا هو أساس  العلاقة المترابطة والضرورية بينهما. إن العمل على إنشاء جسر بين المساعدات الإنسانية والتنمية المستدامة هو الهدف الذي يسعى البرنامج إلى تحقيقه. ويوضح وسام كيف يعمل برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر على بناء جسر بين المساعدات والتنمية قائلا، ”لدينا القدرة على إنتاج أدلة كافية لإثبات نجاحها. نخلق الآلاف من فرص العمل خلال هذه العملية، وندعم أعمال الإغاثة، وهذا الدعم هو في الواقع  ذو مدى طويل."

 الصورة بإذن من برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر

الصورة بإذن من برنامج تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر

نظرا لكون البرنامج يعمل في بلد في حاجة إلى المساعدات للحفاظ على إستمرارية حياة السكان ومنع المجاعة، فقد تم وضع الأمن الغذائي كهدف طويل الأجل. ومن خلال التركيز على هذا الهدف، تمكن العاملون في الإغاثة والداعمون للتنمية من العمل معاً من أجل تحقيق الأمن الغذائي. لقد كانت الطريقة الأمثل لجمع العاملين في المجالين الإنساني والتنموي معا من وجهة نظر وسام هي: ”دفعهم للتركيز على المشكلة، والاتفاق على ماهيتها والتفكير في الفرص المتاحة لحلها ثم العمل على التغيير“. من خلال تزويد المزارعين بالتدريب الكافي على أحدث التقنيات الزراعية وري الأراضي، وتوفير معدات الري الحديثة والأسمدة، وتقديم الاستشارات والدعم المباشر كلما تطلب الأمر، تم إنشاء علاقة وطيدة بين المجالين - الإنساني والإنمائي -لخدمة هدف واحدز

ورغم ذلك ، تواجه مقاييس النجاح خلال الحروب العديد من العقبات. ويوضح وسام، ” إحدى التحديات التي نواجهها هي مساعدة المجتمعات المحلية التي نخدمها من أجل إيصال أصواتهم خارج القرى وأبعد من ذلك؛ لأن نداءاتهم تساعد في توجيه الجهود التنموية. وبهذه الطريقة، يجتمع فريقنا ومجتمعاتنا المحلية لرفع نداء التنمية".

إن بلدا تعيش في حالة اضطراب مستمرة تبدو عاجزة عن توفير بيئة خصبة للتنمية والاستقرار الاقتصادي. وإدراك حقيقة أن البنية التحتية بأكملها تقريبا قد دمرت هو بمثابة موقظ عنيف لاستنفار جميع الجهود التي تناضل من أجل التنمية. لا يعنى ذلك أن الإستمرار مستحيلاً، ولكن عدم الإستقرار أحد أكثر العوائق صعوبة. عندما لا يكون الإستسلام خيارا متاحا، فالنضال من أجل مستقبل أفضل هو المخرج الوحيد. أولئك الذين يتجرأون على تحدي و مواجهة مشكلات الحاضر هم من يبني المستقبل؛ و أعني هنا أن كل عضو في المجتمع، بغض النظر عن مدى إنكساره، يمكن له أن يجد سببا للإستمرار في النضال من أجل مستقبل أفضل.

التنمية ليست مجموعة من الإجراءات المحددة التي يجب اتباعها، وإنما فكر يجب تأسيسه أولاً وثقافة يجب بناؤها. دون الوعي بأهميتها، لا يمكن للتنمية أن تحقق أي نتائج فعلية. حتى يتمكن المرء من التغيير، فإن عليه أن يؤمن أن التغيير ممكنا. الأمل هو الوقود الذي يدفع البشر عندما يواجهون قسوة ومآسي لا يمكن تصورها. والفرص التي يتم توفيرها لدعم المجتمعات الضعيفة في أوقات الحرب هي عامل يساعد المجتمعات على الحفاظ على الأمل حيا من أجل غد أفضل. إن التنمية والمساعدات الإنسانية السائران جنبا إلى جنب هما طرفا المعادلة التي تهدف إلى تخفيف المعاناة وإعادة الاستقرار في المجتمع. يختتم وسام فكرته حول ضرورة التنمية قائلا، ”التنمية هي التقدم، والحرية، والقوة. والتنمية المستدامة هي طريق الخروج من الحرب إلى السلام. ورغم أهمية المساعدة الإنسانية، إلا أنها لن تساهم في إنهاء الحرب، ولكن التنمية ستنجح في ذلك".