البخور العدني روح المدينة

و أنت تتجول في شوارع مدينة كريتر أو عدن الصغرى و أزقتها الضيقة تجد حاسة شمك أسيرة روائح زكية متنوعة تخرج من وراء النوافذ الخشبية الجميلة. لا تقتصر تلك الروائح على الأطعمة الشهية التي تطبخ في مطاعمها وبيوتها أو ورد الفل الذي يزين أركان المدينة و زواياها بأيدي الباعة، و إنما روائح البخور العدني العتيق عتق طقوس ربطت الأرض بالسماء. إنه المسك والعنبر والعود  في وصفات وخلطات مختلفة التكوين و متعددة الروائح.

تشتهر عدن دون غيرها من المدن اليمنية منذ القدم بتجارة البخور حيث كانت وفقاً للمؤرخين إحدى الطرق الرئيسة لتجارة البخور واللبان نحو البلدان المطلة على البحرين الأحمر والأبيض المتوسط. كانت تلك التجارة رائجة قبل مئات السنين عندما كان البخور يستخدم ضمن الطقوس والشعائر الدينية الخاصة بتلك الفترة السحيقة.

 الصورة بإذن من سمية السماوي

الصورة بإذن من سمية السماوي

وتعتبر فترة الستينات من القرن الماضي بداية ازدهار صناعة البخور في البيوت العدنية وتحديدا في منطقة  كريتر وهي أقدم  منطقة بمدينة عدن. شهدت تلك الفترة بروز العديد من الأسر المصنعه للبخور وكان هناك دللالون أو وسطاء لشراء البخور من تلك الأسر لصالح رجل الأعمال الفرنسي المعروف أنتوني بس (1877-1951) ومن ثم كان يُصدر إلى الخارج.

تميز فريد

تميزت عدن بصناعة البخور عن غيرها من المدن وذلك بسبب الوصفات والتقاليد الخاصة التي تحتفظ بها نساء عدن في صناعة البخور. ومن هنا عجز المنتج الخارجي في أن ينافس البخور العدني.

يقول مدين الشيباني - العامل في محل ركن الهريش بكريتر في حديثة للمدينة-  "النَفَس الأصيل الصبور المتوارث لدى نساء عدن الصانعات للبخور والتقاليد الراسخة في هذه الصنعة هما سر تفوق البخور العدني".

ويؤكد الشيباني أن مناسبة الأعياد والإجازات هي المواسم التي يكون فيها البخور أكثر رواجا و فيها يكون في قمة طلبه. هذا بالإضافة إلى المناسبات الفرديية العارضة كالأعراس و الولادات وغيرهما. ومن خلال ملاحظته كعامل في محل لبيع البخوروالعطور، يقول مدين إن البخور العدني هو المنتج الأول في الطلب من قبل الزبائن المترددين عليه سواء من المواطنين المحلين أو حتى  من قبل زبائنه من غير اليمنين .

روح المجتمع العدني

تمثل حرفة صناعة البخور روح وحياة المجتمع العدني فهي تعد جزءا من عادات وتقاليد المدينة إلى جانب كونها ركيزة أساسية لتوفير مصدر رزق لكثير من الأسر في بلد يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر.

 الصورة بإذن من سمية السماوي

الصورة بإذن من سمية السماوي

لا تقتصر صناعة البخور على النساء ربات البيوت أو من  العائلات المعروفة في عدن و حسب، بل تشمل في الوقت الحالي الرجال والشابات الموظفات وأصحاب المحال التجارية التي تتزين رفوف محالهم بأصناف البخور سواء مما يحضر في المنازل أو مما ينتج في معامل تجارية خاصة. وفي ظل البطالة المتفشية في البلد عمدت كثير من الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية التنموية النسوية والخيرية في عدن وغيرها من المحافظات إلى إقامة و تنظيم دورات تدريبية في مجال صناعة البخور. يحضر الدورات نساء مختلفات سواء من حاملات الشهادات أو من أوساط الأميات. وذلك من أجل الحفاظ على هذا الإرث الجمالي والاجتماعي والثقافي من جهة، وحرصا على تأهيل النساء من الأسر محدودة الدخل للحصول على مهنة توفرلهم مصدر دخل من جهة أخرى.

 تتحدث السيدة بُنى سالم غلّاب رئيسة 'جمعية المرأة التنموية الاجتماعية' التي تدرب النساء من الأسر الفقيرة والمحدودة الدخل على صناعة البخور والمشتقات العطرية كالأخضرين والزّباد والعطور. وتؤكد بُنى غلاب أن أهمية تأهيل النسوة ذوات الدخل المحدود من شأنه ( أولا) أن يوفَّر لهن و لأسرهن مصدر رزق (وثانياً) أن يضمن استمرار مواصلة هذه الصناعة، ونقل المهارات والخبرات بين الأجيال حتى لا تُنسى هذه الحرفة التي عُرفت بها مدينة عدن.

أما عن التجربة الشخصية للسيدة بنى غلاب،  فتقول  إنها تعلمت هذه الحرفة على أيدي قريباتها في الأسرة. وتقول إنها زاولت هذه المهنة من أجل تحسين مستوى دخل أسرتها. و لطول خبرتها في هذا المجال أرادت بُنى أن تساعد غيرها من النساء؛ فعمدت إلى تدريب الراغبات على صناعة البخور. إلى جانب ذلك تبيع بُنى كميات كبيرة من البخور لبعض النسوة بسعر مخفض ليقمن هن ببيعه مع هامش ربح لهن. وقد مكنت هذه المهنة بعض الأسر من استأجار منازل وتأسيس حياة جديدة.

الضيف الذي لا يغيب

يستخدم البخور في المناسبات كالأعراس والأعياد والضيافات ومناسبات الموت والولادة. وغالبا ما يحرق البخور دون مناسبة في البيوت العدنية عصرية كل يوم  ليضفي رائحة عطرة على غرف المنزل.  توضع مادة البخور فوق الجمر في المباخر ليحترق ويتحول الدخان المتصاعد منه إلى عطر تغمر رائحته الزكية أرجاء المكان.

أما عن أسعاره فتتفاوت حسب نوع الطبخة وجودتها. وقد يصل سعر النوع الجيد منها إلى قرابة مئتي ألف ريال يمني أيْ أربع مائة دولارا أمريكيا. أما الطبخات العادية فتتراوح أسعارها بين العشرين والثلاثين ألف ريال يمني أي من خمسين إلى سبعين دولارا أمريكيا. وبحسب السيدة منى الإبي "فإن قيمة وجودة البخور تعتمدان على جودة المواد المستخدمة في صناعته. وبالتحديد كلما كان العود والعطر ومادة الظفري ممتازة كان البخورذا جودة عالية. وتقول الإبي إن هنالك أنواعا مختلفة من البخور تختلف حسب الألوان و نوعية الاستخدام كالبخور الأبيض والبخور الأسود والبخور الذي يستخدم لتزكية روائح المنازل و الآخر الذي يستخدم لتزكية روائح الملابس. وايضا هناك نوع أكثر جودة يستخدم للجسم والشعر".

وللبخور عدة أسماء مثل "السلطاني" الذي يتميز بجودة العود وتركيز العطور والعنبر الدخني و "العرائسي" و"الملكي" وغيرها .

 الصورة بإذن من سمية السماوي

الصورة بإذن من سمية السماوي

وتؤكد الإبي أن هناك بعض الأسر العريقة في عدن اشتهرت بجودة صناعة البخور وترويجه حتى أصبح معروفا في الخارج.  ويصدر هذا النوع من البخور الجيد إلى دول خليجية مثل الإمارات والسعودية والبحرين حيث يحظى بطلب كبير. أما غالبية الأسر المنتجة له فتبيعه محليا بأسعار رخيصة تتناسب مع القدرة الشرائية للمجتمع المحلي.

الوصفة السحرية

 على نار هادئة يوضع قدر معدني وكمية قليلة من ماء الورد والسكر. يغلي الماء حتى يذوب السكر تماماً ليضاف لهذا المزيج العود الأصلي، والعنبر، والمسك، والظفر، والعفص، والهيل، والخضاب. و يضاف إلى ذلك خلطة خاصة من العطور الفاخرة المركزة. أهم تلك العطور المسك، والعنبر،والهند، والورد الإسطنبولي وغيرها من العطور حسب ذوق كل صانع أو صانعة. تطفى النار ويسكب المزيج في أطباق خاصة بعد دهنها بالعطر المركز ويترك حتى يبرد ويتماسك الخليط .

طريقة قد تبدو سهلة التطبيق غير أنها من ذلك النوع السهل الممتنع من الحرف العتيقة. ليس كل من طبخت بخورا أنتجت بخورا عدنيا؛ فالسر في النَفَس و الخبرة الطويلة. من أحب الشيء أتقنه، ومن أتقن صنعته ربح السمعة الطيبة وصار معروفا.

 لرائحة البخور العدني قدرة عجيبة على إراحة النفس، والشعور بالطمائنية، واستشعار الجمال عبر خيوط من دخانٍ تأخذك لعالمٍ آخر؛ قد يكون عالم الغيب، أو عالم الحب، أو عالم الخصب والتجدد. سر البخور العدني واحد من أسرار هذه المدينة الساحلية الساحرة.