رابطة أمهات المختطفين.. نموذج لشجاعة المرأة اليمنية

تحت أشعة الشمس الحارقة تخرج أم محمد من وقت لآخر لتنفذ وقفات احتجاجية بالعاصمة صنعاء تنظمها رابطة أمهات المختطفين في اليمن. تقوم بذلك في محاولة منها لإخراج ابنها من معتقلات الحوثيين. اختطفت الجماعة المسلحة ابنها آواخر ديسمبر/كانون الأول  2014، وذلك بعد انقلابها على السلطة في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.

تقول أم محمد عن دافعها للخروج الدائم في تلك الاحتجاجات: "إنها كلما سمعت عن حجم معاناة المختطفين في معتقلات الحوثيين، خاصة حين يتم إخراج أحد المعتقلين بصفقة تبادل أسرى وعليه آثار التعذيب، فإنها تتألم كثيرا حين تتخيل ملاقاة ابنها للمصير ذاته".

 الصورة بإذن من رابطة أمهات المختطفين

الصورة بإذن من رابطة أمهات المختطفين

تنفذ رابطة أمهات المختطفين منذ أكثر من عامين اعتصامات ووقفات احتجاجية بصنعاء بلغت حتى اليوم 108، وأصبحت الصوت الأبرز الذي يوصل معاناة أولئك المختطفين. و تقوم الرابطة كذلك بالكثير من الأنشطة وعمليات الرصد والتوثيق للانتهاكات التي تمارسها جماعة الحوثي بحق اليمنيين.

شكلت تلك الرابطة إضافة جديدة لسجل المرأة اليمنية، التي كانت تعاني من التهميش، لكنها اليوم استطاعت أن تقف بشجاعة وتسجل حضورها وبقوة، وتدافع بشراسة عن أبنائها الذين اعتقل الحوثيون الكثير منهم دون تهمة.

وقد رصدت الرابطة في تقريرها لعام 2017 وفق رئيستها أمة السلام الحاج 5347 حالة اختطاف، و 721 حالة إخفاء قسري تتوزع في السجون شمال البلاد وجنوبها. ويعاني المختطفون من أساليب التعذيب الوحشية التي يتعرضون لها في سجون الحوثيين، بصورة خاصة. وقد أدى ذلك إلى وفاة أكثر من مائة معتقل، فيما خرج العديد منهم معاقين إعاقة دائمة.

وتشعر أم محمد بالقلق على ابنها ولا تنام لأيام في أحايين كثيرة –كما تقول- خاصة حين تنقطع أخباره عنها تماما. فهي لا تعلم إن كان ما زال حيا أم ميتا؛ مريضا أم صحيحا؛ جائعا أم شبعان.

البداية

ترجع بداية الرابطة  –بحسب مسؤولة العلاقات العامة فيها أم عبدالله- إلى منتصف (أبريل/أيار 2016)  حين تم تأسيسها  على أبواب السجون بعد تعارف دار بين أمهات وزوجات وبنات المختطفين اللاتي كنَّ يطالبن بإطلاق سراح ذويهن من سجون جماعة الحوثي. ويقبع خلف قضبان هذه السجون ما يزيد عن ثلاثة آلاف مختطف ومئات المخفيين قسرا في مختلف المحافظات التابعة لسيطرتهم، والذين لم توجه لهم تهم قانونية. وقد تم اعتقالهم بطرق غير قانونية.

تتحدث أم عبدالله عن اعتقال أولئك من منازلهم ومقار أعمالهم وحتى المساجد والجامعات أمام مسمع ومرأى أهاليهم وزملائهم. و علاوة على ذلك، لا تملك بعض الأمهات أي معلومات عن أماكن احتجاز أبنائهن ولا حتى إن كانوا بخير أم ماتوا. وتذكر أن 115 مختطفا ومخفيا قضوا تحت التعذيب. و بعد ذلك تم التواصل مع أهاليهم لاستلام جثثهم من ثلاجات المستشفيات وعلامات التعذيب بادية على أجسادهم.

 الصورة بإذن من رابطة أمهات المختطفين

الصورة بإذن من رابطة أمهات المختطفين

وإزاء ما تعرضت له الأمهات من اعتداءات جسدية ولفظية وابتزاز مالي ونفسي أمام أبواب السجون، انبثقت فكرة تكوين الرابطة لتجعل من الأمهات قوة جديدة في مواجهة تلك الانتهاكات. وتوسعت الرابطة في عملها لتصل مدينة عدن التي تعاني فيها أمهات المخفيين قسراً معاناة كبيرة في رحلة بحثهن الشاقة عن أبنائهن. ووصل عمل الرابطة إلى الحديدة وتعز وحجة ومأرب وذمار وإب. وتقول أم عبدالله "إن الرابطة تعمل دون يأس أو استسلام، و نحن حيث  تنادينا الأمهات سنكون، ولن نتركهن وحيدات للألم والحزن".

قامت تلك الرابطة –كما تذكر أم عبدالله- بتنفيذ الوقفات الاحتجاجية التي تم الاعتداء عليها بالضرب والشتم والملاحقة والحصار. و عملت على التعريف بقضية المختطفين والمخفيين قسرا من خلال رصد قصصهم ومعاناتهم ونشرها في مواقع التواصل. و سعت إلى التواصل مع المنظمات الإنسانية والحقوقية المعنية، متابعة الجهات القضائية والقانونية بخصوص الانتهاكات التي تطال المختطفين. و بالإضافة إلى ذلك نفذت الرابطة الزيارات التفقدية لأسر المختطفين والمخفيين قسرا و عمدت إلى تقديم الدعم النفسي لهم. و تابعت الرابطة الجهات الرسمية لتجنيب قضية المختطفين المسار السياسي والعمل على جعلها إنسانية حيث أن المختطفين والمخفيين قسراً مدنيين لم يشاركوا في الحرب. و إلى جانب هذا النشاط قامت الرابطة بتنفيذ الحملات الإعلامية التضامنية المحلية والدولية مع قضية المختطفين، واللقاء بشخصيات اعتبارية دولية وأممية مهتمة بالشأن الإنساني من أجل تقديم تفاصيل ملف المختطفين في مجلس حقوق الإنسان وفي الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

و تشير أم عبدالله إلى تعاطف المنظمات مع معاناة أمهات المختطفين ومعاناة أبنائهن في السجون وأماكن الاحتجاز. وتشير كذلك إلى دور تلك المنظمات في رصد وتوثق العديد من الانتهاكات والفظاعات. وتأمل أم عبدالله من تلك المنظمات بذل المزيد من الجهود و الضغط الحقوقي والإنساني على جهات الاختطاف والاعتقال التعسفي والاخفاء القسري لإطلاق سراح المختطفين والمخفيين قسراً وتمكينهم من حقوقهم الإنسانية. وتخص بالذكر المفوضية السامية التابعة للأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي لمكانتهما الدولية والتزاماتهما الإنسانية أمام العالم.

نضال وتحدٍ

في ظل قمع المليشيات للاحتجاجات وقتلها الرجال، لعبت المرأة اليمنية دورا بارزا لم يسبق أن قامت به، فقد استطاعت رابطة أمهات المختطفين -وفق الناشطة الحقوقية فاطمة الأغبري- أن تواجه وحيدة الحوثيين سلميا بعد إسقاط العاصمة صنعاء في (سبتمبر/أيلول 2014).

وبرغم سلميتهن إلا أنه تم الاعتداء عليهن مرارا أثناء اعتصامهن. ولم يرهبهن ذلك بل استمررن في مطالبتهن بالإفراج عن المعتقلين والمختطفين. وواصلن نضالهن في الوقت الذي تقاعس فيه الكثيرون و لزموا الصمت.

وتؤكد  الأغبري أن رابطة أمهات المختطفين استطاعت، في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، أن تسطر أروع البطولات رغم التزامات عضواتها الاجتماعية كربات بيوت. فقد فعلن مالم تستطع فعله المنظمات والصحفيون والناشطون والحقوقيون الذين يقفون عاجزين بسبب القمع والقتل.

انتزاع الحقوق

تعرضت نساء الرابطة لعدة اعتداءات من قبل مجموعات نسوية تنتمي إلى جماعة الحوثي. وبرغم ذلك، تؤكد أم الحارث عمرآن -وهي قريبة الصحفي المختطف لدى الحوثيين عبدالخالق عمرآن- أن الحقوق والحريات تؤخذ ولا تعطى. وترى أن وسيلة نساء الرابطة لإطلاق سراح أبنائهن هي الاحتجاجات.

وترى عمرآن أن الصمت عن قضيتهم يعني الرضى بالواقع الذي فرضته جماعة الحوثي، وهو ما يعني المشاركة في تلك الممارسات، وزيادة حالات الاختطافات.

وتطالب المجتمع الدولي بأن يقوم بواجبه تجاه المدنيين؛ وذلك عبر حماية وحفظ حقوقهم عن طريق منظماتهم ومؤسساتهم، وأن لا يتركوا المختطفين ورقة ضغط وابتزاز بيد الحوثين.

التفاعل مع الرابطة

 الصورة بإذن من رابطة أمهات المختطفين

الصورة بإذن من رابطة أمهات المختطفين

تهدف الرابطة إلى حشد الجهود الدولية والمحلية في السعي لإطلاق سراح المختطفين والمخفيين قسراً، وتمكينهم من حقوقهم القانونية والإنسانية. كما تهدف إلى تقديم المتسببين في جرائم الاختطاف والإخفاء والقتل داخل السجون المعتقلات إلى المحاكمة العادلة.

وقد استطاعت الرابطة - كما يقول المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان عبدالرحمن برمان- أن تلعب دورا مهما في ظل فراغ حقوقي؛ وذلك بعد أن أغلقت جماعة الحوثي مختلف المنظمات وأوقفت أي نشاطات لمؤسسات المجتمع المدني.

وتمكنت الرابطة، التي تشارك فيها نساء لا يوجد لديهن أي معتقل لكن تضامنا مع تلك الأمهات، أن تكون الصوت الأبرز الذي يحكي مأساة المعتقلين. فقد عمدت إلى تعرية جماعة الحوثي بسبب جرائمها. ولاقت تفاعلا واسعا في دول مختلفة.

غير أن برمان يشير إلى إهمال المجتمع الدولي لقضايا المعتقلين الذين يعانون من الابتزاز والتعذيب الذي يصل إلى حد الموت. ويبدي برمان، في الوقت ذاته، تفاؤله آملا في تحسن وضع المختطفين  والإفراج عنهم مع ازدياد وتيرة الضغط المجتمعي والحقوقي.

أما عن نتائج جهود رابطة أمهات المختطفين، وهي الجهة الوحيدة التي تنفذ أنشطتها في مناطق سيطرة الحوثيين، فيفيد برمان بأنها حركت الجهات الرسمية، وأصبح ملف المعتقلين هو الأبرز في مشاورات السلام اليمنية، واستطاعت أن تضغط بحيث تم تنفيذ عمليات تبادل أسرى مختلفة.

و توجه مسؤولة العلاقات العامة برابطة أمهات المختطفين –في ختام حديثها- رسالتها إلى العالم الحر والمنظمات الإنسانية والحقوقية وإلى كل إنسان قائلة: "نفتقد أبناءنا ويلازمنا الحزن منذ ثلاث سنوات، فالشباك الحديدية تفصلنا عن احتضانهم. يخفون عنا آلامهم بابتسامتهم الشجاعة، لكن الوهن والحزن اللذين يكسوان ملامحهم، وأجساد العشرات منهم المشوهة والمقتولة تحت التعذيب، تكفي لتدخل أرواحنا في غيبوبة من الحزن طويلة.. بكل الكلمات المملوءة بالأمل في قلوب الأمهات التي لا تعرف إلا الحب والعطاء نرجوكم أن تقفوا معنا بالسعي الحثيث لإنقاذ أبنائنا والضغط الفردي والجماعي إعلامياً وحقوقياً واجتماعياً وقانونياً -وبكل السلطات التي تملكها الإنسانية- على الجهات المسؤولة عن اختطاف وإخفاء أبنائنا حتى إطلاق سراحهم فمن حقهم أن ينعموا بالحرية وتنعم قلوبنا بالسلام".