هشام علي بن علي: الانتصار للفكر النقدي

 

أما قبل:

 لم يحظَ هشام علي بالاهتمام الذي يستحقه قلمه، ومع ذلك لم تتسلل المرارة إلى حروفه، فهو من قلةٍ قليلة جداً ظل يحاور الأفكار ويستدرك على ما يرى أن الاستدراك عليه حق للقارىء ومدخل لمعرفة الواقع، وبروح المحاور كانت كلماته ترصد وتنقد، متأنياً متأملا مستغرقاً في عالم الكتابة المهمومة بالإنسان. يكتب ليسأل ويسأل ليتأمل، كَلِفٌ بإعادة النظر، شغوف بالتحقق و التثبت.

 بعيداً عن الذات:

هشام علي بن علي، اسمٌ لا يحتاج إلى صفاتٍ أو ألقاب، عاش قريباً من الجميع، وبعيداً عن أي  شحناء، لم يكن مع أحد ضد أحد . زاهدا يجيد النأي بنفسه عن الحسابات الانتفاعية والتحيزات  والمزايدات.  سيد قلمه وموقفه، ولم يقحم قلمه في أي معركة شخصية، ولم يرهن رأيه لأي حسابات سياسية أو ايدلوجية.

لم يحفل بالكتابة السياسية التسويقية، التي تتعاطاها الصحف والمجلات المعنية بالاستهلاك السريع. ولم يحشر قلمه في المهاترات والحروب الإنشائية، ولم يدق طبول الحرب على أحد، ولم يلتفت إلى أي شكلٍ من أشكال الدعاية للذات. وفي المقابلات الصحفية القليلة التي أجراها بعض من انتبهوا لدوره المضيء، عبَّر هشام علي بن علي عن رؤية واضحة لدور المثقف تجاه مجتمعه، مُصغياً لصوت الواقع، ومُعبراً عن وعيٍ لا يرتهن للسائد.

 العمل الفني بإذن من بسمة راوي 

العمل الفني بإذن من بسمة راوي 

تقلّد هشام علي مناصب عليا في إدارة عدد من المجلات الثقافية، والمؤسسات الثقافية، وكان رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة،  ورئيس تحرير مجلة الثقافة ورئيس تحرير مجلة الديمقراطية، ونأئبا لرئيس تحرير مجلة الموقف. وعضو هيأة تحرير مجلة الحكمة الصادرة عن إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ووكيلا لوزارة الثقافة لقطاع الملكية الفكرية لما يزيد عن ربع قرنٍ من الزمن. وعضو مجلس أمناء جائزة الدولة، إلى غير ذلك من المهام الصحفية والادارية والبرلمانية والاكاديمية

ومع ذلك لم يسخّر  أي منصب لذاته، ولم يقحم قلمه في أي مقايضات، وظلت المناصب كلها بعيدةً عن قلمه وفكره.

عن دور المثقف:

  تكشف مؤلفات هشام علي بن علي عن مثقف نوعي، سعى من خلال مشروعه النقدي إلى قراءة مواقع الإبداع في الثقافة اليمنية، والعربية، باحثاً عن إجابات غير تقليدية لعدد من الأسئلة التي كثيرا ما أثيرت بدءا من أسئلة التراث ومرورا بأسئلة النهضة والمعاصرة وانتهاء بأسئلة الحداثة.

مارس هشام علي بن علي دورا ثقافياً اتسم بالأناة والهدوء، وظل مهموماً بالثقافة العالمة، مشدوداً إلى دور الكلمة في التنوير، يدأب في قراءة المشاريع الثقافية، ويكتب برؤية منحازة للمجتمع. ويضع ملاحظاته القيّمة، مُرسِّخاً أسلوباً مميزاً في التعبيرالموضوعي والتفكير النقدي. منغمساً في تفكيك الإشكاليات، لا يلقي الكلام على عواهنه ولا يرسل العبارة بلا تسبيب عقلي أو حِجاج منطقي. 

 ومن كتاباته عن عددٍ من المثقفين، ندرك كيف كان يستبطن موقفاً إنسانياً في العلاقة مع القلم. قال في إحدى مقابلاته مع الصحفي أحمد الأغبري: "تراجعت قيم التضحية  والتسامح والتعاون التي كان يعيشها المثقف الثائر مقابل حضور التباغض والتحاسد والتآمر والتسابق على المكاسب والشهرة التي آصبحت للأسف عناوين عريضة لمسيرة المثقف في الوقت الراهن، وهي مسيرة يقنع منها المثقف بنجاح محدود لا يتجاوز به الصيت في الوسط الثقافي غير مهتم بدوره المباشر في الأوساط المجتمعية".وكان احتفاؤه الكبير بكتابات إدوارد سعيد وفرانز فانون يصدر عن التزام غير معلن، وموقف ثابت من تغوَل القوة على الحق، ويقول في السياق نفسه في كتابه:" إداوراد سعيد وتفكيك الثقافة الإمبريالية": "إن إدوارد سعيد الذي يستعيد فرانز فانون إنما يقوم بإعادة موضعة فكره في سياق الانتماء إلى ثقافة المقهورين".

وفي كتابته عن البردوني يصفه بالمثقف النقدي، ويستحضر نماذج من المثقفين، يقول: "وإذا عرفنا أن المثقف النقدي هو الذي يملك عقلا نقدياً تساؤليا، يستطيع أن يمارس كشف الاوهام وتعرية الأساطير السياسية والثقافية. وهو المثقف المقابل للمثقف الحزبي ومثقف الدولة . اللذين غالبا ما يتعاونان في حبائل التبرير والتبشير للسياسي ودائما ما يسيران خلفه، بينما يسير المثقف النقدي على يسار السياسي" وهشام علي في وصفه للبردوني ومساءلة المناحي النقدية في فكره، يستحضر دوره هو، ورؤيته للمثقف.  وكأنه كان يعبر عن نفسه.

و هذا الدور نجده في كل قراءته، يقول في قراءته لكتاب "عدن العربية" لمؤلفه" بول نيزان": كيف نقرأ كتاب " عدن العربية" قراءةً أخرى مختلفة عن تلك المتعلقة بنقد النظام الرأسمالي وثقافته، لأسباب طبقية" ويقول في كتابه " إشكالية المثقف والغرب في الرواية العربية": إن الفشل ينتج عن إشكال مركب للهوية والآخر،و ازدواج اللسان والقيم والعاطفة والحب،و هذه الاوضاع التاريخية التي يكتسبها الإنسان العربي أو يرثها في خارطة جيناته، يحملها معه، حيثما ذهب، وتجره للهزيمة والفشل مهما كان ناجحا ومنتصراً كفرد، أبطالنا منكسرون، يدخلون التاريخ مكبلين بقيود العجز وأثقال كثيرة اكتسبوها من تاريخ إشكالي لم تحسم أسئلته المصيرية عند بدء النهضة أو عند مرحلة التحرر من الاستعمار".

فعل القراءة:

من أبرز ما يرصده القارىء في كتابات هشام علي تلك الرغبة الواضحة في نقل المعرفة للقاريء، و تمكينه من آليات القراءة الواعية، وتنبيهه إلى زوايا نظرٍ جديدة، دون أن يشعر القارىء بأي تجنٍ أو تقوّل أو استلاب. 

فالقراءة بعيدة عن الذات والمقروء ميدان مطارحة و تأمل، ولا مجال لاستظهار أي ذاتية أو فرض موقف مسبق ،على الواقع الموضوعي للمقروء، يقول عن فعل القراءة في كتابه"فكر المغايرة":قراءة لا تقع تحت تسطيح فعل القراءة الاولية  التي تقف عند حدود السرد، ولا تقع كذلك تحت مخاطر  قراءة التأويل التي يمكن  أن تجعلنا نقرأ أفكارنا في نصوص الأولين".

   يُطل هشام علي على قرائه من موقع القارىء الذي يشاركهم قراءاته، ولا يملي عليهم وصاياه، وفي حضرة القراءة لا يتردد أن يعلن رأياً مقيدا بحيثيات، و لذلك تصبح قراءته صادرة عن روح الباحث، و مصدّرة بصيغ حوارية، ونبرة تساؤل.  وحتى حين يتصدَى لقراءة مفكرين كباراً لاتصبح القراءة استخذاء أو استكانة.  واجترارا وترديدا لمقولاتهم. ففي كتابه مجازات القراءة يقول موضحا دور القراءة :" إنها علاقة بين القارىء والنص بكل ما تعنيه القراءة من ممارسة حرة، في التأويل والكشف والاستنتاج"

    وفي قراءته لكتاب " اليمن كما يراه الآخر" يقول: " إن استخدام النظريات والمناهج الغربية في تحليل المجتمعات غير الغربية، يؤكد وحدة المجتمعات والتحليلات البشرية وطبائعها البنيوية والوظيفية، غير أن وقوع هذه الأفكار والتحليلات في فلك المركزية الغربية وأيدولوجيتها المهمينة وما ينجم عنها من إلغاء للثقافات الأخرى وتنوعها، وكذلك إغفال المسار التاريخي  لتلك المجتمعات، والتطبيق التعسفي لتاريخ أوروبا وثقافتها باعتباره المسار الوحيد للمجتمعات البشرية، الذي ينبغي اقتفاء أثره والتبعية لثقافته، وعلى هذا الفرض، لتصبح أوروبا والغرب مركزاً للعالم وأساساً لتحديد معايير التقدّم والتأخر في كل تطور للتاريخ الإنساني"

منذ أول كتاب نشره هشام علي  بدا مهموماً بالقراءة المغايرة، والبحث عن دور الثقافة في إحداث التحولات، سواء كانت قراءة للتراث أو للشعر أو الرواية، أو الفن والسينما، أو قراءته للكتابات الاستشراقية أو مقولات النهضة والحداثة.

ولذلك ظلت الجملة التي يكتبها مشغولة بالفكر، معنية بالتنوير.

وهشام علي، يقرأ إدوارد سعيد، بغرض " محاورة هذا الفكر واكتساب منهجيته وطريقته في التفكير والنقد" ويقرأ الزبيري والنعمان وعبدالله باذيب ومحمد علي لقمان وأدونيس ومحمد بنيس ورولان بارت وجوليا كريستيفا ورامبو، وهيدجر وجاك دريدا وميشيل فوكو، و سارتر، و محمود أمين العالم، وعبدالله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله محيرز، ولطفي أمان وعبد الرحمن فخري، ومحمد سعيد جرادة، وزيد دماج،وغيرهم سواء في سياق المقارنة، أو في سياق المساءلة، بحثاً عن دور المثقف في تنوير مجتمعه.  ومن موقع البحث عن دور للثقافة في التغيير.

وفي سياق المقارنة بين الحداثة العربية وحداثة الغرب يقول: "لئن كانت الحداثة الاوربية قطيعة مع التراث، قطيعة معرفية تزامنت تاريخيا مع تحوّل في علاقة الإنسان بالأشياءوبالطبيعة فإن الحداثة العربية ام تستطع تحديد موقعها الفكري، بالنسبة للتراث العربي ولا التراث الغربي، ولذا ظل كتير من رواد الحداثة يهمس بداخله لحنين إلى الكلاسيكية العربية التي لم تتم مساءلتها واستخلاص تجربتها بصورة كاملة".

 هشام علي بن علي في التسعينات - العمل الفني بإذن من بسمة راوي 

هشام علي بن علي في التسعينات - العمل الفني بإذن من بسمة راوي 

في سياق استقراء عدد من الجهود الفكرية يخلص إلى القول: " إن الخريطة الثقافية العربية تبدو متناثرة ومفككة،جزر فكرية معزولة، سرعان ما تتعرض للنسيان؛ نذكر على سبيل المثال: الفلسفة الوجودية، وفيلسوفها الرمزي جان بول سارتر، الذي كان يحتل موقع الصدارة في ثقافتنا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، اختفى سارتر وفلسفته  الوجودية، واختفت آثارها العربية في الأدب والفلسفة، في أعقاب هزيمة 1967م، ولم تظهر أية دراسة عربية تبحث ظهور وسقوط الوجودية في الثقافة العربية".

فقراءته ليست مجرد تمارين أو هوامش فهي  دائما في صميم جدلية الفكر والواقع.

وهو يؤكد ذلك كلما وجد الفرصة سانحة في قراءة جهود هذا او ذاك، فها هو يقول مثلاً عن  قراءته  لإدوارد سعيد: 

" وتبرز أهمية فكر ادوارد سعيد وتميزه، فقد غادر أسوار الجامعة المنيعة، وتحرر من سطوة الدراسات الأكاديمية التي تفرض العزلة عن المجتمع وتمنع الانتماء لقضاياه ومشكلاته، وذلك بحجة الموضوعية والحياد العلمي".

ويقول في كتابه"الخطاب الروائي في اليمن" مناقشة موضوعية لعدد من الروايات التي أنجزت بأقلام يمنية، وهي مناقشة للشكل والمحتوى، وفي سياق القراءة الواعية لدور الرواية أشار بوضوح إلى أن الرواية اليمنية حتى الآن لم تكتب، فالواقع اليمني غائبٌ عن الرواية، وقضايا المجتمع اليمني لا تحضر في متن الروايات المكتوبة بأقلام يمنية، وإن كان يحترس من إطلاق الاحكام قائلاً إن عدداً من الكتابات الروائية تبشر وتعد بالكثير.

 في كل كتابات هشام علي ظل السؤال حاضرا، وهو ما يجعل الكتابة مشروع تنوير، لا تنويه. و ظل اسئلته ترفض الإقامة تحت مظلة نظريات نقدية  جاهزة، فهي كتابات جدل معرفي، تعمل في إطار مشروع النقد الذي يتطلب معرفة واسعة بكثير من حقول المعرفة  وأدوات النقد واستراتيجياته و مناهجه ونظرياته، مما يكشف عن اطلاع واسع و فكر حر.

مؤلفات:

أصدر هشام علي ما يزيد على عشرة كتب، واشتغل على مشروع نقدي اسمه: "المثقفون اليمنيون والنهضة، أصدر منه جزءا واحدا و عاجله الموت قبل أن يكمل أجزاءه المتبقية . إضافة إلى عدد من الدراسات والمقالات والترجمات التي نشرها ولم تجمع في كتب،  ومن كتبه:

- فكر المغايرة.

-الثقافة في مجتمع متغير.

- رؤية اليمن، قراءة في الكتابات الاستشراقية والاتتربولوجية.

-مجازات القراءة.

- وطن يؤلفه الكلام، دراسات في فكر البردوني وشعره.

-شرق رامبو، عدن والحلم الشعري.

-السرد والتاريخ في كتابات زيد مطيع دماج

-الخطاب الروائي في اليمن.

-إشكالية المثقف والغرب في الرواية العربية.

- الخطاب الروائي اليمني.

-إدوارد سعيد وتفكيك الإمبريالية.

-عبد الله محيرز وثلاثية عدن.

-خربشات على جبل شمسان.