نادي القصة اليمني: أقلام (إلمقه).. حبر يتجدد

في صنعاء، يوليو 2018، وبعيدا عن ضوضاء السياسة والصراع  يتحلق مجموعة من الشباب على جانبي طاولة، يستمعون إلى ملاحظات واقتراحات حول أعمال يشاركون بها ضمن ورشة للكتابة يقيمها نادي القصة اليمني في مقره. عدد الفتيات يفوق عدد الشباب.  يقول الروائي وجدي الأهدل: "الحضور النسائي يطغى دائماً في نادي القصة". الأهدل القاص والروائي  المعروف عضو مؤسس في نادي القصة اليمني - المعروف باسم آلهة القمر القديمة في اليمن (إلمقه). مجلة المدنية التقت الأهدل  في ورشة كتابة القصة القصيرة التي يقدم موادها في نادي القصة. حدثنا الأهدل عن النادي؛ بداياته، ورسالته، وأهم الأنشطة التي يقدمها.

بداية متمردة

بدأ نادي القصة اليمني (إلمقه) عام 1996، حين قرر مجموعة من كتاب القصة الشباب خلق مساحة خاصة للقصة. جاءت هذه الخطوة في مناخ غلب عليه الاهتمام والانحياز للشعر على حساب القصة التي كانت تخطو خطواتها الأولى في اليمن. من هنا، كان للنادي فضل إثبات الوجود للقصة. وقد قاد هذه الحركة قاصون يمنيون كالغربي عمران، ووجدي الأهدل، وصالح البيضاني، وعلوان الجيلاني، وأروى عبده عثمان، وزيد الفقيه. وكان للأخير، الذي كان مديرا لدار الكتب، الدور البارز  في توفير  المقر لاجتماعاتهم الأولى في دار الكتب نفسها.

 الصورة بإذن من رحمن طه

الصورة بإذن من رحمن طه

يقول وجدي الأهدل: "كان الجيل القديم في ذلك الوقت هو المسيطر على المؤسسات الثقافية الأدبية الرسمية والنقابية. وقد شعرنا نحن الشباب بالتجاهل والتهميش، لهذا قررنا إنشاء (نادي القصة اليمني) كحركة شبابية متمردة، تفرض وجودها أمام المؤسسات الأدبية المحتكرة والمنحازة".

كان أول  أعمال نادي القصة جمع القصص القصيرة للكتاب الشباب وضمّها في ملف ينشر في (مجلة الثقافة). وتخصيص العائدات التي يحصل عليها الكتّاب لدعم النادي في بداياته.

أثبت بعدها النادي حضوره وتأثيره، وثبت أقدامه في المشهد الثقافي اليمني، حتى حصل على التصريح الرسمي من وزارة الثقافة عام 1999. وافتتح فروعاً له في محافظات أخرى كذمار وتعز والحديدة وإب، إلا أن الدعم الذي كان يمنح له من صندوق التراث توقف عام 2014 بسبب الأزمة الحالية التي تمر بها اليمن. ويحاول النادي تجاوز الأزمة الحالية والاستمرار في إقامة أنشطته بالإمكانيات المتاحة له بجهود رئيسه الروائي والقاص محمد الغربي عمران، وأعضاء النادي الدائمين.

يقول وجدي الأهدل: " نحن جيل بلا آباء. كان حضور القصة في اليمن قبل التسعينيات ضئيلا، فقد كان اهتمام أغلب الأدباء بالشعر، لهذا لم يدعمنا أحد منهم لعدم فهمهم خصوصية الكتابة السردية، ومن يراجع ببليوغرافيا القصة اليمنية في التسعينيات سيلاحظ النقلة النوعية الكبيرة التي حدثت في مجال القصة".

جمع النادي الجهود الفردية للكتّاب، وحوّل القصة إلى ظاهرة ثقافية. وعندها برزت أسماء كتَّاب القصة الشباب في مقابل أسماء الشعراء الذين كان لهم الحضور الأقوى في بلد ترجع سلطة الشعر فيه إلى أكثر من ألف عام.

عن النادي

من أبرز أهداف نادي القصة التي يعرف بها النادي نفسه:  تبني ورعاية المواهب القصصية والروائية، ومساعدة الأعضاء في جمع نتاجهم ونشره وطباعته، والتعريف بفن القصة وتطويرها، والسعي إلى زيادة الاهتمام الشعبي والرسمي بفن القصة وتكريس حضورها، وإيجاد علاقة ثقافية متكافئة بين المؤسسات الثقافية والحكومية، وإقامة الفعاليات الثقافية وإبراز القصة اليمنية ودورها الإنساني، والدفاع عن القاص وحريته وإنتاجه القصصي، والعمل على تطوير العلاقة بين النادي والمنظمات المشابهة له داخلياً وخارجياً، وتأهيل الشباب في مجال الكتابة القصصية أو الروائية.

يقيم النادي أنشطة دائمة كاللقاء الأسبوعي مساء الأربعاء، الذي تناقش فيه مواضيع عامة أو أدبية، كما تكرّم فيه قامات ثقافية يمنية مبدعة في مختلف المجالات. ويحضر هذه الجلسات جمهور له اهتمامات مختلفة، وتقدم فيه فعاليات ثقافية وفنية. و إلى ذلك،  يرعى النادي بعض الفعاليات الشعرية والفنية، حيث أصبح النادي في السنوات الأخيرة واحداً من المؤسسات الثقافية القليلة التي يجد فيها الأدباء والفنانون عامة متنفساً بعد أن أغلقت الكثير من المؤسسات الأدبية والفنية أبوابها.

 الصورة بإذن من رحمن طه

الصورة بإذن من رحمن طه

 صدرت عن النادي العديد من الكتب. و يعمل النادي كوسيط بين المؤلف ودور النشر في بعض الدول العربية، لمساعدة الكتّاب اليمنيين على نشر إنتاجهم؛ إذ لا يتمكن بعضهم من طباعة كتبهم بسبب كلفتها المالية. هذا بالإضافة إلى أن دار النشر اليمنية التي تكاد تكون الوحيدة، دار عبادي، قد  أغلقت أبوابها قبل عام.

وقد أصدر النادي كتباً سردية ونقدية، فردية وجماعية، لكتاب قصة ورواية يمنيين، كالغربي عمران ووجدي الأهدل والمقالح عبدالكريم ونسيم الصرحي وغيرهم. وتجدر الإشارة إلى كتاب (أفق جديد لعالم أجد) الذي صدر بالتعاون بين نادي القصة ومؤسسة العفيف الثقافية عام 2000، وفيه نماذج من أدب التسعينات القصصي لحوالي 37 كاتباً وكاتبة، وشكل نقطة مهمة في تكريس جيل التسعينات القصصي.

نظّم النادي مهرجانات خاصة، كمهرجان (نحو آفاق جديدة للقصة) عام 2000.  وقد دأب  كتاب و أدباء عرب على المشاركة في المهرجانات المختلفة لنادي القصة. وقد أقيم المهرجان الثاني للقصة والرواية الذي حمل عنوان (المبدعون نجوم في سماء الإنسانية) عام 2001. و أقيم المهرجان الثالث عام 2003. أما مهرجان  صنعاء الرابع فقد أقيم عام 2008 بالتعاون مع وزارة الثقافة.

ويقيم النادي ورشاً للكتابة من وقت لآخر، فمساعدة الشباب على كتابة القصة من أهدافه الأساسية. وفي الوقت الراهن يدير ورشة كتابة القصة وجدي الأهدل، وورشة كتابة الرواية نادية الكوكباني وبسام شمس الدين، وورشة الأقصوصة زيد الفقيه.

ورش الكتابة

حين بدأ النادي أنشطته الدائمة في التسعينيات، بدأ بقراءات أسبوعية لقصص يقدمها الكتاب، ثم رأى أعضاء النادي أن ذلك لا يساعد هؤلاء الكتّاب على تطوير قدراتهم ومستوى كتابتهم، والسير إلى الأمام بمواهبهم، لهذا قرروا إقامة ورش للكتابة، كورشة كتابة السيناريو التي بدأت عام 2002، وورشة الرواية في نفس العام، وورشة الكتابة القصصية التي كان آخرها عام 2018.

وهي ورش تقام بشكل دوري لتقديم الدعم والمساعدة للكتاب الشباب لاكتشاف طريقهم في الكتابة. وفيها  يقدم الأدباء ذوو الخبرة النصائح الأدبية للكتّاب الناشئين الذين يمتلكون المادة السردية الخام و يساعدهم المدربون على استغلالها.

يقول الأهدل: "يتخبط الكتاب في بداية طريقهم. ونحن هنا نوجه خطاهم بدراسة نصوصهم، وتقديم اقتراحات لتطويرها، ومساعدتهم على توجيه موهبتهم إلى الاتجاه الصحيح. ونفكر حالياً بعد استكمال العمل الأدبي واللغوي في هذه الورشة أن نصدر الأعمال المقدّمة فيها في كتاب خاص".

في مجال الرواية يتوقف الكتاب الشباب بعد كتابة بضع صفحات حين يشعرون بالإحباط، وهم يحتاجون فقط إلى الحافز. و تتم الممارسة الكتابية مباشرة. فمثلا تطلب الروائية نادية الكوكباني من المتقدمين للمشاركة في ورشة الكتابة الروائية تقديم فصل واحد على الأقل من أعمال روائية يرغبون في إكمالها. ثم تقوم بتقييمها و تحديد المسار السردي فيها وتطوير قدرات كتابها.

يؤمن الكاتب وجدي الأهدل -الذي صدرت له خمس روايات- بأهمية ورش الكتابة الروائية والقصصية. وله نفسه تجربة مشابهة، فقد حضر ورشة كتابة كواحد من سبعة مشاركين في الندوة الثانية التي نظمتها الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). و يرى الأهدل أن لهذا النوع من التدريب نتيجة ملموسة.

 الصورة بإذن من رحمن طه

الصورة بإذن من رحمن طه

المحرر الأدبي

نجد في التوصيف الوظيفي للمحرر الأدبي هذا التعريف: "يعمل المحرر الأدبي على تحضير العمل الأدبي وإعداده للنشر، بحيث يعمل المحرر مع المؤلف لضمان تقديم صيغة نهائية مثالية قائمة على المعايير الجمالية والإبداعية والفنية، منقحاً من الأخطاء اللغوية والإملائية والتركيبية".

ويعد نادي القصة أول مؤسسة أدبية –وربما الوحيدة في اليمن- التي خصصت حيزا وظيفيا للمحرر الأدبي. وهي فكرة بدأت في الغرب، وما زال الكثير من الكتاب في العالم العربي لا يتقبلونها. يقول وجدي الأهدل: "في العصر الحالي يتساهل الكثير من الكتاب في كتابة القصة، لهذا قررنا هنا في النادي أن نقدم نقداً مباشراً للأعمال التي يقدمها الكتاب المبتدئون، لمساعدتهم على الكتابة بطريقة صحيحة، والشعور بمسؤولية الكتابة، وتقبل النقد الذي يكون قاسياً أحياناً، ومساعدتهم على كتابة قصص تستحق أن تظهر للعالم الخارجي معبرةً عن الكاتب وعن الأدب اليمني. وهذا دور المحرر الأدبي الذي يدفع الكاتب إلى تطوير أسلوبه ودفعه إلى الأمام، و يقدم له المساعدة بما لديه من خبرة تراكمية".

ضغظة زر

في زمن انتشرت فيه طرق النشر السريع عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان أي كاتب أن ينشر كتاباته بضغطة زر دون الحاجة إلى دور نشر، أو استشارة نقاد أو كتاب لتقييم نصوصه.

يقول وجدي الأهدل: "وسائل التواصل الاجتماعي فيها الكثير من التضليل، وهي تخلو من الشروط الفنية. ومن هنا، فإنه يمكن لعمل متواضع القيمة أن يلقى صدىً واسعاً بسبب عدد (اللايكات) التي يحصل عليها".

  ورغم هذا النبرة التشاؤمية، إلا أن الأهدل لا يزال يؤمن أن الكثيرين من الشباب المبدعين لا يزالون يهتمون بالقيمة الفنية، ويحرصون على التعلم وصقل مهاراتهم، فقد تقدم لورشة الكتابة القصصية التي أقامها النادي ما يقارب 40 مشاركاً.

 و لكن ،في المقابل، يرى الأهدل أن الوضع الآن أسهل بكثير من الماضي. في السنوات السابقة لثورة الاتصال كان على الكاتب أن يبذل جهداً كبيراً، و أن ينتظر شهوراً طويلة قد تصل إلى عام أو أكثر ،بسبب الإصدار الشهري أو الفصلي أو السنوي، لينشر نصاً واحداً في مجلة عربية معروفة. كانت النصوص الأدبية حينذاك تخضع للكثير من المعايير والاجراءات البيروقراطية. أما في الوقت الحالي فقد استفاد الكتّاب من التطور التكنولوجي، وأصبح بإمكانهم إرسال نصوصهم إلى أيٍّ من هذه المجلات عبر البريد الإلكتروني، ولم يبقَ عليهم سوى الإخلاص والجدية في الكتابة، فهما ما يقود الكاتب إلى النجاح.