مهرجان البلدة التقليدي في مدينة المكلا

 الصورة بإذن من علي صالح بامحيسون

الصورة بإذن من علي صالح بامحيسون

تحتضن مدينة المكلا، حاضرة محافظة حضرموت، في منتصف شهر يوليو إلى الثامن والعشرين منه من كل عام المهرجان التقليدي المسمى  بـ"البلدة".  يتوافق المهرجان  مع موسم نجم البلدة الذي يعد خاصية فلكية في ساحل حضرموت من المشقاص شرقاً إلى بئر علي بشبوة غرباً. و موسم البلدة  تقليد طقوسي قديم متوارث عن أجيال متلاحقة دأبت على  الاحتفال  بهذه المناسبة التي  كانت تحمل مضامين طقسية ميتافيزيقية. وفي الزمن الحديث  تحولت "البلدة" إلى مهرجان فلكلوري بالمفهوم الحديث لهذا المصطلح. ومنذ سنوات يتم الترويج للمهرجان على نطاق واسع وإعطاؤه أبعادا سياحية وثقافية واقتصادية بإدارة مباشرة من  سلطة حضرموت .

 في صورته الرسمية بدأ الاحتفاء بأول مهرجان سياحي للبلدة في عام 2004م بإشراف السلطة المحلية بمديرية المكلا لتكون مناسبة احتفائية سنوية. وقد تم حينها إنشاء إدارة مستقلة ودائمة للمهرجان تضع الخطط والدراسات وتتابع كل ما يتعلق بالأهداف والعوائد المنتظرة من إقامته وانعكاساته على الحياة الاقتصادية والاستثمارية  في المكلا. وتضمنت مهام الإدارة أيضا  العمل على تحفيز  مختلف  مرافق الإيواء  السياحي من أجل تحسين خدماتها، والاستفادة المثلى من هذا المهرجان، وإشراكها في وضع المقترحات والأفكار  لتطوير وتحديث المهرجان وجعله جاذبا للزوار من خلال  تنشيط جوانبه الترفيهية والسياحية.

يرتبط مهرجان البلدة السياحي بـ"نجم البلدة" الذي له أهمية في حضرموت سواء في الساحل أو الوادي. ويرجع ذلك إلى أن ظهور هذا النجم يقترن بتأثيرات مناخية ايجابية كبرودة البحر، واعتدال الجو، ولطف الهواء في عز الصيف، واكتساء مدن ساحل حضرموت بالضباب. ويصحب ذلك أيضا نضوج التمر، وتسويقه، وغرس فسائل النخيل، وزراعة الشتل، وتجهيز الأرض للاستعداد لموسم الشتاء الزراعي . ولموسم البلدة ارتباط خاص في وعي الصيادين؛ فهو عبارة عن إجازة إجبارية؛ توفر لهم قسطا من الراحة بعد عمل دؤوب طوال العام. ففيه يضطرب البحر، و يرتفع الموج. وترجع ظاهرة برودة البحر إلى اشتداد هبوب رياح الشمال، وتقلب مياه البحر نتيجة هيجانه مع بداية شهر يوليو حتى نهايته. وتشتد برودة المياه مع دخول النجم في منتصف الشهر.

وقد ارتبط موسم البلدة في التراث الشعبي في حضرموت بالكثير من التقاليد والعادات الاجتماعية في ساحلها وواديها. ويعتبر الاغتسال في البحر طلبا للاستجمام والرياضة والترفية أهم سمات الاحتفاء بنجم البلدة في شواطئ حضرموت الممتدة على طول 350 كم. يخرج الأهالي والزوار إلى مياه البحر الباردة قبل شروق الشمس للسباحة والاستمتاع بروعة البحر والتي تخفف عنهم حرارة الصيف وتزيد من نشاطهم. ويقضون، إلى جانب ذلك، أوقاتا ممتعة على رمال الشواطئ. ويعتقد بعض السكان المحليين أن لهذه المياه الباردة مزايا علاجية وصحية؛ منها علاج الأمراض الجلدية، و علاج آلام المفاصل،  والتقليل  من ضغط الدم والقلب. وهذا القناعة متوارثة وراسخة؛ إذ تجد الشواطئ في هذا الموسم تعج بالناس من مختلف الأعمار، وخاصة من كبار السن. و في أمثالهم المتوارثة: "غسلة في البلدة تعادل حجامة سنة".

ويعد مهرجان نجم البلدة ملتقى سنويا  وفرصة موسمية للمغتربين لقضائها مع أهاليهم.  فهم يعمدون إلى ترتيب زيارتهم لأرض الوطن لتتوافق مع حلول المهرجان.  ومما يكسب المهرجان زخما أكبر أنه يتوافق مع العطلة الصيفية للمدارس والمعاهد والكليات.  تتحول المكلا خلال هذا الموسم إلى فضاء سياحي ترفيهي ليس لأبناء المكلا فقط، بل لأبناء حضرموت ومناطق أخرى من الجمهورية و الدول الشقيقة. والمكلا، كبرى مدن حضرموت، مدينة جاذبة للسياحة لما  تتمتع به من موقع يمتد على  شريط ساحلي مطل على بحر العرب. وعلى هذا البحر شواطئ رملية جميلة، وخلجان بديعة، وموانئ صيد نشطة. وفي بحر العرب بيئة طبيعية متفردة تحوي في أعماقها أنواعا من الأحياء البحرية النادرة، والتشكيلات المختلفة من الشعب المرجانية الزاهية.  و كل هذه العوامل حفزت بعض المستثمرين على إقامة مشاريع ومنشآت سياحية ضخمة ماثلة للعيان في المدينة.

 الصورة بإذن من علي صالح بامحيسون

الصورة بإذن من علي صالح بامحيسون

ويترافق احتفال مهرجان البلدة مع إقامة قرية تراثية يتم فيها تجميع المقتنيات القديمة  التي تلقي ضواء على حياة الأجداد الأوائل والعادات والتقاليد التي كانوا يمارسونها. هذا؛ و تعد اللجنة المنظمة للمهرجان برنامجا حافلا يتضمن  العديد من المناشط كالغناء الحضرمي، والرقصات الشعبية المتنوعة كالعدة والشبواني والهبيش والغية وغيرها، وخاصة تلك المرتبطة بالصيادين والتراث البحري. و تتضمن الفعاليات قضاء أمسيات وليالي البلدة في الألعاب الشعبية. و يحتوي المهرجان أيضا على  تجمعات للعائلات في المتنفسات والحدائق التي تبهر زائريها، كضفاف خور المكلا التي تتوسط المدينة، ومتنزه شارع الستين. و يقام في المهرجان العروض الكرنفالية، والسباقات الخاصة بقوارب الصيد، والمنافسات الرياضية، والعروض المسرحية. وتنظم فيه، أيضا، الحفلات الغنائية بحضور عدد كبير من الفنانين مصحوبة،أحيانا، بتقديم الاوبريتات الاستعراضية الراقصة التي تعبر عن موروث حضرموت الثقافي والفني المتنوع.

ولا يقتصر الاحتفاء بنجم موسم البلدة على مدينة المكلا فحسب، بل يمتد إلى مختلف  مدن ساحل حضرموت "الشحر" و"الحامي" و "الديس الشرقية". وتتنافس جميع هذه المدن طوال أيام البلدة على إظهار ما لديها من موروث شعبي ومواهب وإبداعات.  غير أن المهرجان في مدينة المكلا يتميز ببعده الاقتصادي والتجاري. وبذلك تعد المكلا، دون غيرها، واجهة "البلدة" السياحية التي  يتوافد إليها  آلاف الزوار من مختلف المناطق وتعج شوارعها بأعداد كبيرة من الزائرين، فتزدحم الطرقات بالمشاة والسيارات الوافدة مما يؤدي إلى اختناقات مرورية، وخاصة في  وسط مدينة المكلا حيث الأسواق وأماكن التسوق، مما يضاعف جهود أفراد شرطة السير في تنظيم حركة المرور ووضع خطة استثنائية لذلك.  في هذا الموسم تمتليء الفنادق بالنزلاء حتى يكاد  المرء لا يجد مأوى، وتصبح الأسواق العامة والمولات التسويقية مكتظة. ولهذا الأمر ترتفع أسهم عمليات بيع وشراء البضائع والتداول التجاري. أما الأسواق الشعبية فتكون مصدر جذب للوافدين بما تتمتع به من بضائع تقليدية يدوية؛ لذا يعتبر مهرجان البلدة فرصة اقتصادية لتحسين المعيشة لدى شرائح مختلفة من السكان.

 الصورة بإذن من علي صالح بامحيسون

الصورة بإذن من علي صالح بامحيسون

و الجدير ذكره أن إقامة مهرجان البلدة السياحي قد واجهت مشكلات وعراقيل مختلفة منذ انطلاقته حتى اليوم؛ فقد بهتت صورته في أوقات سابقة لعجز السلطة المحلية عن الإيفاء بمتطلباته المالية من جهة، ومن جهة أخرى عدم الاهتمام بمتابعة تصورات تطويره ومنها تحويله من مهرجان محلي إلى إقليمي. . هذا إلى جانب أن  الاضطرابات الأمنية  التي مرت على محافظة حضرموت ودخولها في صراعات نتيجة الحرب الدائرة في اليمن قد أسهمت في عدم انتظام إقامة المهرجان. غير أن اهتمام الأهالي  بمهرجان البلدة  قد ملأ ذلك الفراغ الرسمي المنتظر من الحكومة.  وفي هذا الصدد كان للمبادرات الشبابية والحركة المجتمعية لإحياء الموروث  الشعبي، وصونه، دور محوري في الحفاظ على استمرار مهرجان  البلدة ووصوله إلى المنافسة الإقليمية.

وبعد تحرير مدينة المكلا من سيطرة التنظيمات الإرهابية المتطرفة في ال24 أبريل عام 2016م عاد مهرجان نجم البلدة إلى الواجهة. وقد حظي بتمويل ودعم من قيادة المحافظة وسلطتها المحلية والرعاة من القطاع التجاري والاستثماري. ومن هنا، فالاستقرار الأمني الذي تشهده حضرموت حاليا من أهم العوامل المساعدة على استمرار المهرجان وتوافد الناس إليه من مناطق مختلفة في اليمن وخارجه.