غبش

 

 الصورة بإذن من سمية عبدالله

الصورة بإذن من سمية عبدالله

 تناهى إلى سمع (مجاهد) نباح كلاب الحي، فأطبق بكفيه على أذنيه مستاءً من هذا الضجيج.

(مجاهد) مندوب فرزة  – محطة- حافلات شارع العدل، عمره يناهز الستين عاماً، لكن جسده تلكأ عن الشيخوخة؛ فاحتفظ محياه بملامح الأربعين: مفتول العضلات، مكتنز الجسد ككتلة صخرية متحركة، يحمل بيمينه صميلاً  – هراوة- ثقيلاً يناسب كفه المربعة.

ليلتها لم تفزعه أصوات الكلاب قدر فزعه حين رآها تشكل حلقة في منتصف الجولة –الميدان- وتتناوب النباح. لم يتبين له سبب تجمعها، لذا أشعل ضوء القداحة، خطاه المتثاقلة شقت طريقها بين النابحين، توسط تجمعها فتمكن من رؤيته:

طفل في قلب كرتون حلوى، ملفوف في قماط مشدود بقوة.

مدَّ يده الخشنة ذات الشعر الغزير وحمله، وفي اللحظة ذاتها رفع مؤذن الحي أولى تكبيرات صلاة الفجر.

"غبش.. أسميتكَ غبشا".

همس بها مجاهد في أذن الطفل كأنه يؤذن فيها الأذان الأول.

سحب الليل أطرافه، وأشرقت شمس ذاك اليوم على حشد آخر في المكان نفسه حيث تجمهر سائقو الحافلات، وهم يتناولون أقراص الخبز المقلي "الخمير" الساخنة الدسمة ويتبادلون آخر الأنباء كوجبة خالية من الدسم.

يومها شبعوا كثيراً لتناقلهم نبأ وفاة ابن الرئيس الذي وافته المنية بحادث سير.

لاح مجاهد من بعيد؛ فتأففوا! ألقى أحدهم سخطه كـلعنة صباحية:

"الناس الكبار يموتوا ومجاهد يشتي ضرايب.. قولوا له اليوم عندنا عزاء".

لم يصرخ عليهم كعادته، ولم يُمسك بتلابيب من فروا من أمامه بالأمس، بدلاً عن ذلك كان يحمل الرضيع مكان صميله. تنحنح محرجاً ثم قال لهم:

"وجدت لي ابناً وأسميته غبش".

ساد الصمت في قلب الجولة رغم ضجة العابرين؛ فمجاهد "مندوب الفرزة" مقطوع الولد ولا أهل له كما يعلمون.

رد عليه أحدهم:

"ابنك هذا نحس!! وُلِد في يوم الحداد على ابن رئيسنا.. ألقه حيث وجدته".

(حمود) بائع أقراص الخمير وحده من استبشر بالقادم الجديد؛ فأعلن يومها احتفالاً بقدوم البشارة:

"يا جماعة، لهذا الطفل كرامات، أبلغني أحد العرافين قبل أعوام أن طفلاً سيرى النور في ساعة وفاة شخص مهم.. طفلاً يُنسب للجميع؛ قَدَره مرسوم بين ساعات السحر وأولى خيوط الفجر".

لم يحفل بكلامه سوى قلة من الحاضرين الذين ابتهجوا بتوزيعه لوجبات فطور مجانية.

مرت الأيام وغبش يكبر، وسادته قطعة من كرتون حلوى تشبه سريره الأول كما أخبره مجاهد.

تلقى أولى دروس تربيته ركلات من السائقين الحانقين، ورغم توجعه لم يشتكِ ولم يجادل.

تناوبت على الحي تغيرات متسارعة.. قُتِل عاقل الحي حين بلغ غبش عامه الثاني --تماماً في اليوم الذي عُثر عليه - وفي ذكرى مولده الرابعة أُحرقت مخازن غلال القمح دون أن يعرف أحد سبب الشرارة الأولى؛ فسُجلت كحالة غير مفسرة.

أما في الذكرى السادسة لمولده فقد ضربتْ هزة أرضية متوسطة المدينة، وكان مركزها شارع العدل.

لم يكن الناس ليربطوا تلك الأحداث بذكرى ميلاد غبش لولا احتفال مجاهد به، وقيام حمود بتوزيع الأقراص المجانية.

تشاءم السائقون والعابرون وأغلب سكان الحي؛ فأسموه بالنحس والفأل السيئ، إلا فئة قليلة رأت نوراً يشع من غبش كلما ابتسم، من بينهم حمود الذي استمال قلوب جيرانه بحلاوة حديثه واستبشاره بكرامات حلّت عليهم منذ ولادة غبش.. ففي العام الثالث بعد ميلاده، تم افتتاح أكبر مشفى خيري  كـصدقة جارية لروح عاقل الحي المقتول غدراً، وفي العام الخامس تم تدشين سلسلة مصانع أُديرت من قبل أبناء المنطقة عوضاً عن مصنع غلال القمح المحترق.

 الصورة بإذن من سمية عبدالله

الصورة بإذن من سمية عبدالله

وهكذا تعاقبت الأعوام بين السعد والنحس، بين المستبشرين والمتطيرين.

بقي غبش ابن الظلمة.. النحس.. وصاحب الكرامات.

هو نفسه لم يدرك إن كان نوراً أو ظلمة.

عركته الحياة فنشأ خشناً ضارياً كحيوان بري؛ وفي عامه الثاني بعد العشرين تكامل خلقه فصار أكثر شباب الحي وسامة وأقواهم بنية بعضلات مفتولة.

بدت ملامحه كلوحة تتشكل من ألوان التناقضات:

عيناه كأودية هذه البلاد، بشرته ارتوت بسمرة السواحل الذهبية، شعر كث وأسود مثل ليالي الصحراء، استقامة جسده وابتسامته، صوته الرخيم وهيبة حضوره، وعشوائية ملبسه، جعلت كل من حوله في حيرة من أمرهم عاجزين عن استنباط منشأ أديم وجهه أو جذوره.

هو وحده من ظل يسأل نفسه عن ما يدور في خلد البقية.

يجول في الحي يرافقه كل ما يسير على أربع، إن استند على شجرة ظللته عصافيرها فيستأنس بها كلما طاب مزاجه. وإذا اجتاحته نوبات الحيرة أصابته تشنجات غضب يؤججها نعيق غربان لا يعلم من أين يأتي.

"من أنا يا عم حمود؟!" زفرها ذات ضيق، رمقه بعينيه دون أن يرمش، لم ينتظر تكور الكلمات في فم حمود فحمل نفسه مبتعدا.

"أواه يا غبش، ليتني أمتلك إجابة ترضيك".

غمغم حمود وهو يراقب العابرين يلمزونه ويلقون نكاتهم على غبش الذي لم يعرهم اهتماماً كعادته، يسير بهدوء تتهادى على إثر خطاه قطط الحي وكلابه.

حمود وحده من يدرك سر تعلقها به.

في الجولة – الميدان- حيث ورث مهنة والده، ظل يحرك "صميله" منظماً حركة الحافلات المتدافعة، عيناه المسافرتان لم تلمحا حقائبها إلا حين لمحتا ابتسامة اعتادتا رؤيتها؛ هذه المرة شق الزحام ونادى بأعلى صوته:

 "اقتربي، هاهنا مكان شاغر".

ابتسمت؛ فأضاء وجهه:

"يا سواق، حسابها عليا".

هتف كمن يرتل نشيداً، فأهدته ابتسامة أخرى كانت كفيلة بخلق نجوم تنير عتمة غبشه، تكررت ابتساماتها؛ فزاد عطاؤه، حسابها عليه وعليها ابتسامة .. خمسون ريالاً مقابل شمس تشرق في كل مشوار.. لم يعد يجوب الشوارع كثيراً، سكن زاوية في الطريق لا يزوره فيها سوى حمود ومجاهد وكل من يسير على أربع:

-       يا عم حمود، أين توارت الشمس منذ أسابيع؟

أطرق حمود برأسه متأسفاً هامساً لمجاهد الذي ثقل سمعه:

-       يا رحمتاه!! لقد جُن ابنك.

-       ماذا؟!

علا صوت مجاهد الذي استعصى عليه سماع السر؛ فابتسم غبش:

-       يقولون عني مجنوناً يا أبتاه، ما أكثر ألقابي!! يمكنك الآن أن تصدر لي بطاقة هوية.

قهقه كـمخمور لم يُذهب سُكره نسيم السحر.

اعتراه الشوق، وفي غمرة يأسه لمح ابتسامتها؛ فأشرقت عيناه، منحها ضياء مقلتيه، لم ينتظر إشراقة تأتيه خلسة. لكن سرعان ما كسفت شموس عينيه حين رأى ذراعها تتأبط ذراع شاب آخر. أوقف الحافلة لهما:

"اقتربا، هاهنا مكان شاغر".

استشاط الشاب غضباً وصرخ كالملدوغ:

"ابتعد عن الطريق يا نحس".

نفخ الشاب صدره ليبهرها بشخصيته؛ فانبسطت أسارير وجهها وضحكت.

تسمَّر غبش في مكانه:

"أنا نكرة.. أنا نكرة.. أنا النحس الذي أصاب نفسه".

ظل يرددها وهو يجر خطواته صوب زاويته، تربع في جلسته لساعات طويلة وهو يتمتم ويهز جذعه.

 الصورة بإذن من سمية عبدالله

الصورة بإذن من سمية عبدالله

لم يزره رفاقه؛ وحدها الغربان من آنست وحدته وراحت تنعق دون توقف.

حمود يراقبه؛ يرى تلبد السماء وتحليق الغربان؛ فيستعيذ من الشيطان.. يومها قرر إغلاق محله باكراً.

انفطر قلب الليل؛ فمرت ساعاته بتثاقل حتى لاحت ساعات الفجر الأولى، لمعت السماء وأرعدت.. تصدعت أرض الحي.. سقط الغافلون عن أسرتهم، أصيبت آذانهم بصمم لحظي؛ نزفت بعضها بفعل ضغط هائل تكسرت على إثره نوافذهم.. ذهلوا، احتشدوا في الشارع ليتبينوا ما حدث، صرخ أحدهم:

" لقد شُنت حرب علينا.. وهذه الغارات مبتداها".

قرروا إنهاء نحسهم، حملوا عصيهم، توجهوا صوب غبش، تجمعوا حوله يتبادلون فحيح نواياهم، رفعوا أذرعهم بامتدادها وحين هبطت عليه احمّرت السماء، التوت الأرض بمن عليها.

ساد الصمت أرجاء المكان، الريح وحدها كانت تقارع لوحة وحيدة في الحي كُتِب عليها (شارع العدل).