الشعر هو الأهم ولا شيء غيره

 

مدخل

لا يتجاوز عمر الفن التشكيلي في اليمن 70 عامًا. ورغم عمره الصغير، مقارنة بتاريخه في بلدان أخرى في المنطقة، فإنه ترك ما يستحق الانتباه. وعند دراسة تاريخ النشأة سنجد أن اليمن، المعزول آنذاك، كان يتعلم في شتى المجالات من محيطه. وكان معظم التعليم من نصيب جالية الشتات اليمنية، ومن مستعمرة عدن التي تتبع الانتداب البريطاني. فمن تأثير عدن تعلم كل من فؤاد الفتيح وعبد الجبار النعمان أساسيات الرسم ثم توجهوا إلى الخارج للتمكن من تقنياته. ومن اندونيسيا اتجه هاشم علي إلى عدن إلى حين استقراره في شمال اليمن. هذا مع العلم أن تجربة وشخصية هاشم علي الفنيتين لم تتبلورا في صورتهما النهائية في المهجر، وإنما خبرتا تراكما مزدوجا في المهجر ثم في موطنه. وإذا كان من نقص في تأريخ الحركة التشكيلية اليمنية، فهو في دراسة تأثيرات الشتات اليمني على الفن الحديث في البلد. ورغم معرفة الدارسين اليمنيين بهذا الأثر الكبير، فإنه  لم يأخذ حقه من الدرس.

أنتج بعض أبناء الشتات اليمني أعمالًا فنية سابقة لبيئتهم المحلية. ففي الرواية كانت "فتاة قاروت" (صدرت 1927) لأحمد عبد الله السقاف، العمل الروائي الأول في شبه الجزيرة العربية. ويرجح أن سفر السقاف المستمر قد ساعده على إنتاج هذا العمل. وكذلك الأعمال القصصية لمحمد عبد الولي التي تناولت قضية أزمة الهوية لدى الأفراد الذين ينحدرون من أصول أفريقية-يمنية. وفي الموسيقى نجد أحمد ربشة المشهور سودانيًا، وبدرجة أقل يمنيًا، وعبد القادر با مخرمة الذي غنى مختلف ألوان الغناء اليمني وهو في مهجره بجيبوتي. ويمكن قياس التأثيرات الهندية في أعمال محمد جمعة خان، والتأثير المصري في أغاني أحمد بن أحمد قاسم وفرسان خليفة وغيرهم.

كانت مستعمرة عدن، إحدى محطات العبور الفنية و فضاء وسيطا لاحتكاك اليمنيين مع العالم. وهناك تجارب أصبحت فيها عدن مركز الاستقرار النهائي بعد الشتات الطويل؛ وهنا يُذكر أحمد عبد العزيز محمد غالب. هذا رغم أن حال  الفن التشكيلي في عدن خلال  فترة الاستعمار وما بعدها لم يكن مواكبا لحركة الفنون الحداثية في العالم. إنَّ الإرشيف البصري لعدن، وبالرغم من احتكاك المدينة بالتصوير بعد فترة قصيرة من اكتشاف تقنياته في الغرب، لم تتجاوز الشكل التوثيقي للمدينة وأهم معالمها وأنماط الحياة فيها. وهذا ما استمر حتى فترات قريبة، وإن كانت هناك أرشيفات فنية فهي لم تظهر بشكل كافٍ.

لا شيء غير الشعر

"أعتقد أن هناك دوافع وردود أفعال للوضع البائس الذي يعيشه الإنسان عندنا. ولكن هذا لا يكفي؛ ردود الأفعال ضعيفة دائمًا، الفعل هو الأقوى؛ الفعل النابع من الداخل، والذي لا يمكن لأحد أن يزايد عليك فيه!".  أحمد عبد العزيز

عند التعرض لتجارب الفنانيين التشكيليين في اليمن، فإنه لا بد من التطرق إلى تاريخهم كأساس لبناء الانطباعات عنهم. غير أن هذا يبدو صعبا في حالة أحمد عبدالعزيز؛ فالمعلومات الموثقة حوله قليلة، ولا تعدو أن تكون انطباعية. هذا؛ إلى جانب تحاشي الفنان الحديث عن نفسه لوسائل إعلامية. إن تعدد المواهب للفنان يجعلنا في حيرة من أي تجربة نبدأ؛ فهو: رسام تشكيلي، ومصور، ومترجم، وناقد، وكاتب. و بفضل وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة تأتّى للفنان الاحتكاك بالجيل الشاب مؤخرًا. إن مشاركة أعماله، خصوصًا الفوتوغرافية، على وسائل التواصل الاجتماعي، فد جعلته أكثر خروجًا على النمط السائد لدى النخبة التشكيلية شبه المعزولة.

ولد أحمد عبد العزيز محمد غالب سنة 1956 لأسرة يمنية مهاجرة في القرن الإفريقي وتحديدًا في مقديشو، التي كانت حينها متأثرة ببعض أساليب الحياة ونظمها التي خلفها الاحتلال الإيطالي، ومن ذلك التعليم. هناك درس أحمد الرسم في المدرسة كمادة من المواد المتاحة إلى حين تخرجه منها واتجاهه إلى إيطاليا لتعلم الإخراج السينمائي الوثائقي. في إيطاليا تعلم الرسم المتقدم في دورات في معهد دانتي أليجيري. عاد بعدها أحمد إلى مقديشو مجددًا وهناك بدأ أول معرض فني له في المركز الفرنسي بالتشارك مع علي آ حسين. بعد هذه التجربة بدأ غالب رحلته في شبه الجزيرة العربية متنقلًا بين جدة وصنعاء وعدن حيث مركز استقراره الحالي، وإنتاجه الفني.

يقول المعماري والفنان التشكيلي سبأ الصليحي: " أحمد عبدالعزيز فنان ومثقف حقيقي ممتلئ. إنه موهبة نادرة لا تثير الضجيج. تتميز أعماله بالوعي العميق والشعرية العالية. مدهش، تلقائي، صادق، سهل ممتنع، وممتع. إبداعاته متنوعة بشكل عبقري بين الفنون البصرية والكتابة تشف عن ثقافة موسوعية، وتذكرنا بالتنوع الفذ لأعلام عصر النهضة.  ينتمي أحمد عبدالعزيز لسياق فكري يتجاوز المحلية إلى السياق الإنساني، ويقف مدرسياً وتقنياً ضمن سياقات نقدية عالمية". 

يستطيع المهتم بأحمد عبد العزيز أن يخمّن الكثير عن التفاصيل الناقصة في حياته عن طريق متابعة إيقاع أعماله. وتعد الشعرية أبرز سمة مهيمنة على أعماله  الفوتوغرافية و التشكيلية. موضوع الصورة لديه شعر. وهو في ذلك يتبع فلسفة وجوده في الأشياء و تجاربه مع المواضيع والأماكن والأشخاص. وأهم ما يميز تقنيات معالجاته الفنية هي "لعبة الظل والضوء" حسب تعبير الهام الوجيه. ويستطيع المرء استنتاج ذلك من خلال إمعان النظر  في استخدامه الكثيف لنمط "أبيض وأسود" في الصورة، ونمط الاسكتش في الرسمة، وكذلك نوعية الألوان المتباينة المستخدمة في لوحاته.

 الصورة بإذن من احمد عبد العزيز

الصورة بإذن من احمد عبد العزيز

إن زوايا التقاط الصورة/الاسكتش لدى أحمد عبد العزيز تستحق الوقوف عليها بصورة خاصة، فزوايا الفنان غير الاعتيادية مثيرة للاهتمام وللحس الجمالي. وعند البحث سنجد أن المشكّل الرئيسي للصورة هو الظل، أما بقية العناصر فهي ذات أهمية أقل، وهذا لا يعني أنها عديمة الفائدة بطبيعة الحال. ورغم وجود الظلال في الغالبية العظمى من الفنون البصرية، إلا أنها تتبع مسارًا موضوعاتيا فلسفيا لدى الفنان.

و إذا نظرنا في هذا الاسكتش، فإننا نجد صعوبة في معرفة منظور الضوء؛ من أين أتت ظلال المرأة الموجودة؟ أهي من الزاوية العليا من جهة اليمين؟ هل الظل أهم عنصر في هذا العمل؟. إن المضمون الشعري في الصورة يكمن في الخطوط الكثيفة عند مناطق الظل المايزة المعالم. وبوجود هذا التعالق بين الصورة والشعر تحضر الأسئلة لدى المتلقي أكثر من الإجابات.

يقول الصليحي: "أعمال أحمد عبدالعزيز تمتد من التصوير الفوتوغرافي --كونه مصوراً ومخرجاً درس التصوير والسينما وعمل في التلفزيون لفترة طويلة-- إلى الفن التشكيلي، وكذلك الكتابة الأدبية، والترجمة، والدراسات في السينما والفنون البصرية. ونستطيع من خلال رصيده الثري قراءة اتساع أرضيته المعرفية وتنوع وعمق تجربته الشخصية والفنية".

إن التركيز على المساحات سمة من سمات الفنون البصرية لدى أحمد عبد العزيز، ولديه القدرة على إضفاء المسحة الدرامية على الأشياء. وإلى جانب ذلك تأخذ المشاهد الإنسانية النصيب الأكبر من تجربته البصرية.  صور غالب تحوي سيناريوهاتها الخاصة وبعدها الجمالي الخاص. فمن أين تأتي صورة أحمد عبد العزيز غالب؟ هل أن الإحساس هو مولِّد الفنون البصرية؟ أم أن القدرة التحليلية العالية والاطلاع المستمر هما ما أنتج أشكالًا شعرية؟ أم أن المفهومين يختلطان بنسب متفاوتة في كل منتج؟ ما نعرفه حقًا هو أن عناصر الصورة المتنوعة توحي بتداخل بين المفهومين، فالفنون البصرية عند أحمد عبد العزيز هي شعر في المقام الأول، ولكن الشعر أيضًا  حصيلة قراءات متعمقة وموسعة، واطلاع كبير على التجارب العالمية. وكل ذلك – بعبارته هو- حصيلة أفعال وليس ردود أفعال.

يضيف الصليحي: "تتجاوز الصورة عند أحمد عبدالعزيز خصائصها التقنية كتكوين بصري ثنائي الأبعاد لتقدم مقتطفات من روايات نابضة بالإيقاع والأماكن والشخوص، مليئة بالتأمل والإيحاء، أو لكأنها تكثيف لمشاهد سينمائية بالصوت والصورة والحركة."

دورس مهمة يعلمها أحمد عبد العزيز دون وعظ. نتعلم منه أن نكون أكثر جرأة على التجريب؛ وأن التجريب لا يوقفه سن ولا نضوج تجربة. وهذا ما يجعله أكثر قدرة على استخدام الوسائل الحديثة بجانب القديمة؛ فمن الرسم التشكيلي ثم التصوير وأخيرًا إلى تجربته الجديدة: الفن الرقمي. وهذه التجارب جميعها ترغمنا على متابعة تجربة أحمد عبدالعزيز المتطورة والثرية.

يختم الصليحي حديثه بالقول: "يتجلى في أعماله مفهوم "الشعرية" بتعاريفها العديدة كمصطلح أدبي ومفهوم جمالي عام. وتتجلى مقدرته الفردية الاستثنائية على التعبير باللغة البصرية كخامة للخيال الشعري، وبراعته عبر تقنيات التجريب في الحفاظ على طزاجة وتلقائية التعبير الفني، والتخفف من أعباء المدرسية والتقليد، مع وعيه الكامل بها. أحمد عبدالعزيز فنان حقيقي متعدد المواهب، ينتمي للقلة العبقرية ولا نعرف عنه الكثير، ولديه ما يضيفه لنا جميعاً."

يحاول الفنان تجنب نمطية العمل الفني، وتجنب الاشتغال في المواضيع بالطرق القديمة، وربما صورة الغروب لديه هي الدليل الأبرز على هذه السمة، فلا يوجد لديه إلا صورة واحدة للغروب . يقول:

"التقطت صورة واحدة للغروب. أرى في تصوير مشاهد الغروب ابتذالًا... ربما لأنني أغرب."

 الصورة بإذن من احمد عبد العزيز

الصورة بإذن من احمد عبد العزيز