اليمن والبحث عن الاستقرار: السلطة، والسياسة، والمجتمع بعد الربيع العربي | عرض: سوسن الرفاعي

 الصورة بإذن من سلا خالد

الصورة بإذن من سلا خالد

 الكتاب صادر عن  آي. بي توريس - لندن  هذا العام 2018 . وهو من تحرير ماري كرستينا هاينزه رئيسة مركز كاربو للبحث التطبيقي بالشراكة مع الشرق. وهي باحثة في جامعة بون بألمانيا وحاصلة على درجة الدكتوراه في مجال الانثروبولوجيا الاجتماعية ودراسات الإسلام. و خلال العامين 2013 و 2014 أدارت ماري مشروع " تأطير الثورة اليمنية" الذي شارك في تنفيذه المركز اليمني لقياس الرأي العام و جامعة بون و حظي بدعم من مؤسسة فلوكس فاجن الألمانية. و يأتي هذا الكتاب ضمن ورشة من ورشات المشروع عقدت في مدينة بون وتمخض عنها عدد من الأبحاث التي ضمتها دفتا الكتاب.

 يقدم الكتاب مساهمة فكرية مهمة لارتباطها براهن الحال و بالنقاش الدائر حول المستقبل القريب للصراع في اليمن. وفي الكتاب استخلاص للدروس المستفادة من الأربع السنوات التي سبقت الحرب. وهو بذلك يقدم رؤى قيمة يمكن الاستفادة منها في  المساعي المبذولة لاستئناف محادثات السلام في اليمن.

حظيتُ بشرف الحصول على نسخة من كتاب "اليمن والبحث عن الاستقرار" الذي عاد بي إلى تلك الذكريات المريرة  والحلوة في الآن ذاته  التي تتعلق بالسنوات 2011 إلى 2014 و التي كنت خلالها نشطةً ومفعمة بالأمل أثناء وجودي في اليمن.  وقد بعث الكتاب فيَّ ذكرياتٍ من الماضي القريب يمتزج فيها الفخر بروح التضامن التي سادت حينها بالاشمئزاز من وحشية التصرفات التي نتجت من دهاليز السلطات والسياسات والمصالح  لتواجه ما بات يعرف بعد ذلك بـ" الربيع العربي".

الجزء الأكبر من الكتاب يأخذ القاريء إلى أجواء ثورة 2011 وماتلاها عبر أقسام ثلاثة. بعد المقدمة الضافية التي كتبتها المحررة  عن أجواء الكتاب ومضامينه يتناول القسمُ الأول الموسوم بـ"رؤى متنافسة: مسارات المستقبل المتخيلة "، دوراتِ الفعل ورداتِ الفعل ولحظاتِ الحنين الكامن للثوران والخلاص؛  حيث يصف هذا القسم الفترة التي تمت فيها الإطاحة بنظام حكم متمكِّن تجاوز عمره أعمار معظم من ثاروا عليه في شوارع اليمن. وفي طيات هذا السِفْر الرائع يأخذنا المؤلفون في نزهة عبر المسار الخَطِر، لكن ذي العمق الإنساني، الذي سار فيه الثوار اليمنيون رجالا ونساء جنوبيين وشماليين.

 في الفصل الأول من هذا القسم الذي كتبه عبدالسلام الربيدي تحت عنوان “النزعة الشكية لدى المثقفين الصاعدين في يمن ما بعد الثورة " يتطرق الباحث إلى  نصوص عدد من الكتاب والشعراء والباحثين الذين شرعوا "في طَرْق المسكوت عنه ومسائلة ما كان محجوبا عن المسائلة". وفي هذا الفصل إبراز للأثر الفكري والفلسفي (  قد ينكر البعض هذا الأثر اليوم) الذي أحدثته الثورة على مخيال فئات مختلفة من الشعب ومواقفها تجاه نظام الحكم في أبعاده الثلاثة :القبلية، والدينية، والعسكرية.

يقدم الفصل الثاني الذي كتبته ايوا سترزليكا رؤى بخصوص منحى الثقافة السياسية الجديد الذي اتخذته  المقاومة النسوية أعقاب 2011 والذي مهّد الطريق إلى ما تعتبره الحركة النسوية مكتسبات تاريخية بخصوص الحقوق الدستورية القانونية. ويوضح هذا الفصل أنماط التعاطي مع مطالبات الناشطات المتعلقة بتحقيق العدالة وضمانة الحقوق والتي طالما – عِوض عن معالجتها في إطارها القانوني- عانت من سحبها إلى مربع الأخلاق وفق توجهات ذكورية عتيقة. أما الفصلان الثالث والرابع من هذا القسم،  فيتعلقان بالجنوب بصورة خاصة. الفصل الثالث منهما، وكتبته اليزابث كندال، يعالج أنماط الحكم الفريدة لدى قبائل المهرة، و دورها في تنظيم و إدارة نفسها، بينما يعالج الفصل الرابع التحولات التي طرأت على جيلين يشكلان النواة الصلبة للحراك الجنوبي؛ جيل ماقبل الوحدة وجيل الوحدة وتصوراتهما بخصوص الدولة وتقرير المصير.

أما القسم الثاني  فيلقي الضوء على فترة مؤلمة من تاريخ الثورة تمثلت في "المرحلة الانتقالية وحالة السخط: الفاعلون ورؤاهم واستراتيجياتهم". تقدم فصول هذا القسم خريطة عن مختلف الأطراف السياسية واصفة مساعيهم للحصول على موضع قدم في أرض رخوة ذات رمال متحركة. يقدم الفصل  الأول منه و الموسوم بـ" الحكم والانتقال السياسي: آليات عملية التفاوض حول الإصلاح السياسي في اليمن" الذي كتبه توبياس ثيل معلومات قيّمة حول كيفية مقايضة السلطة الانتقالية استقرار البلاد بعملية تحقيق التوازن بين القوى، و توزيعها السلطات الفرعية تدريجياُ الواحدة تلو الأخرى خوفا من انهيار المبادرة الخليجية بشكل كلي. وعلى سبيل المثال كانت السلطة القضائية أو المالية تُمنح بشكل جزئي لطرف ما مقابل كسب الولاء، دون أية مسوِّغات قانونية، ولا تُمنح بشكل كامل من أجل ضمان استمرار الولاء. ويناقش الكتاب حالة السخط والاستياء التي صاحبت هذه المساومات من منصات ومخيمات المتظاهرين إلى غرف إجتماعات المتحاورين في فندق موفمنبيك.

وفي حين كانت دولة ما بعد صالح معاقة بفعل قوى سماسرة السياسة التقليدية، كانت تلك القوى تتلقى الدعم من الحكومة الانتقالية ذاتها. وهو الأمر الذي قوّض أية محاولة لوضع برنامج انتقالي فاعل وواضح المعالم من قبل التكنوقراط الذين تضمنتهم حكومة الوفاق الوطني. وهذا بدوره أدى إلى جعل مطالب الشعب بنظام يفرض القانون ويحارب الفساد أمراً  يكاد يكون مستحيلاً. وفي الفصل الثاني من هذا القسم تناقش نادية السقاف  جهود" تمكين المرأة في الحوار الوطني" ومواقف الأحزاب والجماعات المتحاورة من هذا الأمر الإشكالي، وما صاحب ذلك من جدل و مساومات ومواقف لها منطلقات ثقافية ودينية. أما الفصل الثاني الموسوم بـ"معضلة الحوثي: أنصار الله و الجمهورية الثانية"  فتتعرض فيه مريكا براندت لواقع الحركة الحوثية بوصفها قوة ديناميكية ومتحولة وجريئة بما يكفي للاستمرار في كسب زخم من القوة والشعبية رغم الصعوبات الجمة التي تعترض طريقها.  وفي الفصل تحليل لأساليب استخدام القوة المفرطة لدى الحوثيين وذلك من أجل خدمة مصالحهم. في الفصل التالي يتطرق لوران بنفوا إلى " تراجع حظ حزب الإصلاح  في يمن ما بعد صالح" مركزا على الأسباب والتداعيات حتى انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015 رابطا واقع حركة حزب الإصلاح بإطارها الإقليمي والدولي. أما الفصل الأخير من هذا القسم، فتناقش فيه يوديت كوشنيتسكي قضية وجود " حزب للسلفيين و عوامل تشكيل حزب الرشاد في المرحلة الانتقالية" قارئة ذلك في ضوء تصريحات قادته بخصوص تصوراتهم عن الديمقراطية، والسياسة، والفكر السلفي ومرجعياته، و ناظرة إليه في سياق وجود منافسين مختلفين عنه بصورة جذرية كالحركة الحوثية.

في القسم الثالث والأخير من الكتاب والمعنون بـ"الانتفاضة المجتمعية والثقافية: اليمن قبل وبعد الربيع العربي" يناقش المؤلفون والمؤلفات بحماس واستبصار الخيط الرفيع الفاصل بين الحقيقة والأسطورة بخصوص دور الشباب والنساء في ثورة 2011 وما تلاها. في الفصل الأول من هذا القسم تراجع مرايكا ترانزفيلد موضوع الشباب وجغرافياتهم الثقافية والاجتماعية في مدينة صنعاء. وتلقي مرايكا فيه الضوء على معنى كون المرء شابا في اليمن و قدرة الشباب على تشكيل فضاءات اجتماعية وسياسية لها " تطبعات" تجعلها تختلف عن غيرها من "تطبعات" المجتمع التقليدي. في هذا الفصل إشارات إلى محاولة النخب التقليدية الحاكمة تحجيم دور الشباب من الجنسين وبتر خيط آمالهم وطموحاتهم التي رُفعت عاليا أثناء الاحتجاجات. في الفصل الذي يتساءل عن وجود " إمكانية لمحاورة الإرهابيين؟" تناقش كاثرين هينسي التطرف وإمكانيات الحوار حوله كما تم تصويره في الأفلام والمسرح.  أما في الفصل الثالث من هذا القسم، فيناقش استيفان ستينبيزر " تهديدات الحرب والصراع للموروث الثقافي في اليمن"، وفيه يلقي الضوء على الجهود المبذولة من أجل حماية هذا الموروث الإنساني في ظل ما حملته السنوات المتقلبة الأخيرة من مخاطر لا حدود لها.

 و أخيرا يختتم الكتاب هذه الأبواب البحثية المشرعة بالتساؤل الذي تطرحه ماريا لويس كلاوزن في الفصل الأخير "عما إذا كانت الفدرالية قادرةً على انقاذ اليمن؟". وهو التساؤل المشروع الذي ساد السنوات الثمان التي أعقبت الاضطرابات في اليمن. وبعد تناول التطور التاريخي للامركزية في اليمن وما شهدته السنوات الأخيرة من تطورات بنيوية كبيرة ،لا تتردد الكاتبة في  التشكيك في مقدرة الفدرالية على تلبية مصالح كل النخب الحاكمة سياسيا والمتحكمة اجتماعيا من جهة، وبالتالي الحفاظ على استقرار اليمن كما هو اليوم من جهة أخرى.

الكتاب لا يمنح فقط قارئه المتعة والغذاء الفكري فحسب، بل هو أيضا مجموعة من الدروس والتوصيات بخصوص الكيفية  التي يمكن بها مواجهة المستقيل القريب في اليمن. تنسرب محاور الكتاب بسلاسة عبر الجوانب الرئيسة لفترة ما بعد الربيع العربي في اليمن. ويقدم في طياته بجرأة ووضوح الاستنتاجات بخصوص شكل اليمن في مرحلة ما بعد الانتقال والحرب. باختصار، تدور القصة الرئيسة هنا حول الفشل في الاستجابة لمطالب الشعب ومعاناته. أما الاستجابة لمطالب الأطراف المتصارعة فحسب، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والاضطراب، وذلك لن يخلق استقراراً انتقالياً ناهيك عن خلق مستقبل لدولة موحّدة متماسكة. 

و قد وددتُ و أنا أطالع هذا الكتاب القيِّم أن أجد في صفحاته تناولا لمعضلة منظمات المجتمع المدني في اليمن خلال وبعد فترة الربيع العربي. ليس فقط لأن هذا الموضوع ذو علاقة بكل الأقسام المذكورة آنفا،ً ولكن أيضاً لأن القراء سيشعرون- لا محالة- بغياب مكون مهم من مكونات المجتمع أثَّر وتأثَّر بالانتقال السياسي وما صحبه من أفعال وردات أفعال.