شيء ما

 الصورة بإذن من أنور صبري

الصورة بإذن من أنور صبري

كم أبدو منهوشةً بذلك الشعورِ نفسِه الذي زارني بعد10 أعوام من تخرجي الأول، وها هو يزورُني الآن شعورٌ معاكسٌ تماما له،  أيّ بعد 10 أعوام  من تخرجي
الثاني، لماذا  هذا الرقم بالتحديد، هل لأنَّ بعده، يسهل تصفير العداد، ويسهلُ من بعد  الصفر البدء  بحكاية السِفر الجديد!

في بوفيه الآداب، التي تغيرت كثيرا، كانت بلا حديقة أمامية للشباب، وكانتْ أصغر مما تبدو عليه الآن، ربما كانتْ صغيرة مثلي، صغيرةً وحميمةً ودافئة، بها مرآة، تأخذ الكثير من وقتهن، والقليل من وقتي، أعرفُ أين كنت أجلسُ جيدا، وصديقاتي، في هذه الطاولة أو تلك، لكن عادة ًكنا هنا، أعرفُ ذلك الشباك الصغير الذي يطل منه أحمد، يقع أمامنا في منتصف جهة الشمال، كان بدون ستار،  وكان أحمد يقتنصُ نظراته إلينا، إذا ما خفَّ زحام الطلبات عليه، نظراتُه التي ربما كانت موجهة لي بالتحديد، لأني كلَّما رفعتهما إلى النافذة وجدته ينظر إليَّ، أظنُ أنَّها كانت نظرة إعجاب، تجاهلتُها كلَّما اصطدمتُ بعينيه الحزينتين، التي َيخالُ لك أنهما على وشك البكاء، لم افكر فيهما أبدا، لدرجة أني لم أخبر صديقاتي بهما، الآن بعد 10 أعوام أتذكره، ونظرته، أفتقدها، وأفتقده، كما أفتقد النافذة الصغيرة،
أفتقد كل شيء هنا بذلك الشجن الذي تجاهلتُه في عيني أحمد، وبعينين يُخيلُ لي أنَّهما على وشك البكاء.
تُرى ماذا يفعلُ الآن؟ لا بدَّ أنَّه تغير، كما فعلتْ هذه النافذة  فصارتْ جهةَ الغرب، وبدل أحمد صار هناك عم صالح، وتضاعفتْ مساحة المكان، لدرجة  أنَّي أحسستُ أنَّ الأرض التي حملت طاولتي، شكَّت في أنَّها كانت هنا يوما ما، أو أنَّني كنت.
بعد عشرة أعوام، أزورُ مقهى الجامعة، أشعرُ بالغربة السحيقة، لكنَّ إيقاع الطالبات ينتشلُني قليلاً من غربتي، الأزياء، والمكياج، والاهتمامات، لا تخلو واحدة من هاتفها السيار، الكثير صرنَّ ملونات الشفاه والوجوه، حتَّى تحت البراقع، في ذلك الوقت كان من النادر أن تجد طالبة ملونة.
 

 الصورة بإذن من أنور صبري

الصورة بإذن من أنور صبري

الضحكات، الحماس، المشاريع، البحوث، وحتَّى الامتحانات بدتْ لي رائعة جدا، أصغي إلى إحداهن، وهي تُحدَّث صديقاتها عن حفل عرسها، ثمان وصيفات، عليهن أن يرتدين الحرير الفاخر نفسه، باللون والتصميم نفسه ، بالمايك أب نفسه، وبتسريحة الشعر  نفسها، وبنفس بلون _الكوشة_  الكوشة التي تبدو كأنَّها عرشٌ لملكة قادمة من أعطاف تاريخ مضيء، طريقة الدخول لا بدَّ أنْ تكون مميزة، ستظهر من بين أربعة أعمدة  ذهبية  مزينة، وسيتم زفَّها بكل اللهجات الشعبية العربية، من المصرية الى السورية ومن الخليجية إلى اليمنية، ثم ستخرج ملكةً إلى دكة العرس  المرتفعة  المفروشة بالأحمر، والمحفوفة بأعمدة الورد، تحدثُهن عن الضباب الذي ستختفي فيه إلى أن تصل إلى الممر الذي ستختال فيه، فتفتح الصندوق الملون الجميل، وتُخرجُ حمامتين رائعتين، تُطلقهما في سماء ِالقاعة، ثم تقضي ساعات ٍقبل دخول العريس، لتأخذ َصوراً تذكارية لليلة العمر، مع مظلاتها السبع الملونة، و التي سوف تبهر بها ألبوم زفافها، ولن تكتفي بفستان عرسها الأبيض، بل سيسبقه فستانٌ مدهشٌ آخر، تختالُ فيه كأميرةٍ من أميرات عصر النهضة،  وبعد أخذ الصور به، ستكتفي بأن تختال بفستانها الأبيض.
وجدتُ مقهى الجامعة بعد عشرة أعوام، بلا مرآة، كان بارداً جدا، عم صالح في نافذته ستارة ٌصغيرة، وأنا أتظاهر بأني مشغولةٌ بقضم _سندوتش _الجبن الكرافت الذي أتعللُ بأنَّه سبب وجودي هناك، أطلبُ شايا أحمر، ثم آخر، وأستمعُ لكل تفاصيلهن، أخذتْ العروسة المنتظرة، تقرأُ قصيدة إنجليزية لأحد الشعراء، قبل دخولها الامتحان، تغلبُني اللحظة، فأقولُ لها استمتعي بما تفعلين، صاحتْ  بتذمرٍ ممزوجٍ بالدلال، لا شيء يُمتعني هُنا، ولا أحبُّ أنْ أقرأ، لكن عليَّ ذلك، قلتُ لها إياكِ أن تظنين أن الزواج هو الجنَّة، ضحكتْ وقالت أنا أريد العرس، و لا أريد الزواج.

 الصورة بإذن من أنور صبري

الصورة بإذن من أنور صبري

لم أعرفْ تماما لمَ كانت غاضبة من كلِّ شيء، برغم أنَّ خطَّها الذي كتبتْ به القصيدة جميلٌ جدا، وقراءتُها كانت رائعة، لكنَّها تبحثُ عن شيء ٍآخر، لا أدري ما هو، بأجسادٍ رشيقةٍ، وملابسٍ أنيقةٍ، وحقائبٍ زاهيةٍ، وهمومٍ لذيذةٍ، كانت عيناي تبحثان عني بين الزحام، تحاولان أن تراني بينهن، حينما كنتُ هنا، حين كنتُ أيضا أبحثُ عن شيءٍ، شيء ٍما ، غير موجود، الآن بعد 10 أعوام، أُفتن بكلِّ ما هنَّ فيه، أتمنى ساعةً سحريةً تُرجعني لهذا الوقت، وهذا العمر، وهذا الهم، وهذا الأمل، وهذا الغضب، وهذا الإيقاع، لكني أبدو غريبةً عليه، أتأملُه بنظرةٍ حيرى، أليس هو هذا الوقتُ نفسُه الذي لم أكنْ أحبُّه!
لو أستطيع أنْ أجعلها تفهم معنى أنْ تعيش اللحظة، إنَّها مشغولةٌ بأشياءٍ أخرى، أسمعُ تذمرها، وهي تضحك ساخرةً من كل ما يُحيط بها، بينما تقتربُ  مني الغربةُ أكثر بشباكها، فأشعرُ أنَّي فريسة ٌسهلةٌ في مخالب الثواني، ألقي نظرةً على نافذة المقهى وانصرف، آه لو أعود إلى الوقت، الذي ينصرفنَ عنه ليبحثنَ عن شيءٍ ما.
هذا ما حدث بعد تخرجي الأول، الآن اسمحوا  لي أنْ أُحدثكم عن تخرجي الثاني، مرتْ 10 سنواتٌ أخرى، بعد زيارتي لذلك المقهى، حينها تم تخرجي من الدُّنيا، وانفصلتْ روحي، إنهَّ شيءٌ فوق الوصف، لا يُمكن أن أشرحَه، إنَّه أشدُّ بكثير من كل الآلام التي قد تُصاحبك في الدنيا، لقد متُّ وصرتُ في عالمٍ آخر، بطقوسِه وقوانينِه الصارمة، التي لا يسمح لنا فيه، إلا بزيارتكم في النوم، وأحيانا  أنْ نحضر بأرواحنا، في أوقاتِكم العصيبة، دون أن تشعروا بذلك. لن أحكي لكم عن عالم الموتى، حتى لو رغبتُ في ذلك، لأن هذا غير مُمكن لنا، إنَّه الأمر  الوحيد الذي لن تعرفوه أبدا، إلا حين تختبرونه بأنفسِكم،  أذكر أنِّي بعد عدة أيام من موتي، زرتُ الرجل الذي أحببته أكثرَ من أي شيءٍ آخر، كنت لا أزالُ مشتاقةً وحزينةً لفراقه، وأود أنْ أعرفَ بأيِّ شوقٍ سيستقبلني، جئتُ إليه جميلةً و صامتة،  أردتُ وضعَ قبلةٍ على جبينه في هدوء، وحين اقتربتُ منه، اضطربَ  وفرَّ من بين يدي، ليستيقظَ، و يقولُ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، شعرتُ بحزن ٍهائلٍ، ولم أطلبْ بعدها مقابلةَ أحد، أو الاتصال به، إلا في زيارتي الأخيرة التي هي سببُ كتابتي لكم الآن.
بعد عشرة أعوامٍ من تخرجي الثاني، وصلني إشعارٌ بوقتٍ عصيبٍ يمرُّ به البلدُ، قررت ُأنْ أزوره، واخترتُ مقهى الجامعة ثانيةً، هذا المكانُ هو أكثرُ ما يشدُّني في دنياكم، لكنَّ هذه المرة، كانتْ الوجوهُ صامتةً، التمتماتُ مذهولةٌ، يمُكن أن يتنازلوا عن الكثير من أجل ما فقدوه، إنَّها أخبارُ حربٍ ودمار، أخبارُ قنابلَ وصواريخ، انفجاراتٌ ودماء، حزنٌ وحدادٌ، مآتمُ وجنازات، أطرافٌ مبتورةٌ، عتمةٌ في الأرجاء، البردُ قارسٌ ،ولحافٌ واحدٌ لا يكفي لأربعة، أرواح ٌمذعورةٌ، تبحثُ عن مكانٍ تدسُّ فيه حياتَها، لتُخبئَها عن عيونِ القنابل، الناسُ يتساقطون من الفجيعة، ينخرُ فيهم القهرُ كالسوس، لا أدوية، لا كهرباء لا ماء، لا خبز، خرابٌ، ويبابٌ، في كل مكان، لا شيء، لا شيء، وأنا لا أريد أنْ أعود َإلى هُنا، حيثُ لا ميزان، ولا قانون، حيث الناس يبحثون عن شيءٍ ما.